مساحة إعلانية





العودة   منتديات المصطبة > الأقسام العامة > منتدى السياحة والسفر والتاريخ والآثار

منتدى السياحة والسفر والتاريخ والآثار كل ما يتعلق بالأماكن السياحيـة والتاريخيـة فى العالـم واسعـار التذاكـر والرحـلات


مواضيع ذات صلة مع نابليون بونابرت ( موسوعه كامله عنه )
مسلسل الكوميديا الجامد جدا shaun the sheep المواسم كامله من قسم أفلام الانمى - مسلسلات الأنمي - أفلام كرتون 2014
موسوعه كامله عن السرطان .. انواعه واسبابه وعلاجه [ تابع لمسابقة عيادة المصطبه ] من قسم الطب والصحة - السمنـة والنحافـة - الطب البديل
موسوعه صور ميريهان حسين من قسم صور الفنانين والفنانات - صور المشاهير ونجوم الفن
موسوعه صور سيلينا غومز من قسم صور الفنانين والفنانات - صور المشاهير ونجوم الفن
Your Uninstaller! Pro 7.0.2010.28 +Portableاخر اصدار نسخه كامله و محموله من قسم منتدى المواضيع المحذوفة والمكررة والمخالفة

6 
LoVe My LiFe


ثورة القاهرة الأولى

وفيه وقعت كائنة الحاج محمد بن قيمو المغربي التاجر الطرابلسي وهو أنه كان بينه وبين بعض نصارى الشوام المترجمين مافسة فأنهى الى عظماء الفرنسيس أنه ذو مال وأنه شريك عبد الله المغربي تابع مراد بك فأرسلوا بطلبه فذهب الى بيت الشيخ عبد الله الشرقاوي لنسابة بينهما فقال الشيخ للقواسة المرسلين بعد سؤالهم عن سبب طلبهم له فقالوا لدعوة ليست شرعية فقال لهم في غد أحضروا خصمه ويتداعى معه فإن توجه الحق عليه ألزمناه بدفعه‏.‏
فرجعت الرسل وتغيب الرجل لخوفه فبعد مضي مقدار نحو ساعة حضر نحو الخمسين عسكريًا من الفرنسيس الى بيت الشيخ وطالبوه به فأخبرهم أنه هرب فلم يقبلوا عذره وألحوا في طلبه ووقفوا ببنادقهم وأرهبوا فركب المهدي والدواخلي الى صاري العسكر وأخبروه بالقضية وبهروب الرجل فقال ولأي شيء يهرب فقالوا من خوفه فقال لولا أن جرمه كبير لما هرب وأنتم غيبتموه وأظهر الحنق والغيظ فلاطفاه واستعطفا خاطر الترجمان فكلمه وسكن غيظه ثم سأل عن منزله ومخزنه فأخبراه عنهما فقال نذهب معكما من يختم عليهما حتى يظهر في غد فاطمأنوا لذلك ورجعوا عند الغروب وختموا على مخزنه ومنزله فلما أصبح النهار فلم يظهر الرجل فأخذوا ما وجدوه فيهما من البضائع والأمانات‏.‏
وفي يوم الأحد 26 ربيع الثاني سنة 1213 هـ - 7 أكتوبر 1798 م ذهبوا الى الديوان وعملوا مثل عملهم الأول حتى تمموا أسماء المنتخبين بديوان مصر من الثغور المشايخ والوجاقلية والقبط والشوام وتجار المسلمين وذلك الترتيب غير ترتيب الديوان


وفي يوم الاثنين 27 ربيع الثاني سنة 1213 هـ - 8أكتوبر 1798 م اجتمعوا بالديوان ونادى المنادي في ذلك اليوم بالأسواق على الناس بإحضارهم حجج أملاكهم الى الديوان والمهلة ثلاثون يومًا فإن تأخر عن الثلاثين يضاعف المقرر ومهلة البلاد ستون يومًا ولما تكامل الجميع شرع ملطي في قراءة المنشور وتعدد ما به من الشروط مسطور وذكر من ذلك أشياء منها أمر المحاكم والقضايا الشرعية وحجج العقارات وأمر المواريث وتناقشوا في ذلك حصة من الزمن وكتبوا هذه الأربعة أشياء أرباب ديوان الخاصة يدبرون رأيهم في ذلك وينظرون المناسب والأحسن وما فيه الراحة لهم وللرعية ثم يعرضون ما دبروه يوم الخميس وما بين ذلك له مهلة وانفض المجلس‏.‏ واستهل
فى يوم الخميس أول شهر جمادى الأولى سنة 1213 هـ - 11 أكتوبر 1798 م واجتمعوا بالديوان ومعهم ما لخصوه واستأصلوه في الجملة فأما أمر المحاكم والقضايا فالأولى إبقاؤها على ترتيبها ونظامها وعرفوهم عن كيفية ذلك ومثل ذلك ما عليه أمر محاكم البلاد فاستحسنوا ذلك إلا أنهم قالوا يحتاج الى ضبط المحاصيل وتقريرها على أمر لا يتعداه القضاة ولا نوابهم فقرروا ذلك وهو أنه كان عشرة آلاف فما دونها يكون على كل ألف ثلاثون نصفًا وإذا كان المبلغ مائة يكون على الألف خمسة عشر فإن زاد على ذلك فعشرة واتفقوا على تقرير القضاة ونوابهم على ذلك وأما حجج العقارات فإنه أمر شاق طويل الذيل فالمناسب فيه والأولى أن يجعلوا عليها دراهم من بادئ الرأي ليسهل تحصيلها ويحسن عليها السكوت ويكون المحصول أعلى وأدنى وأوسط وبينوا القدر المناسب بتفصيل الأماكن وكتبوه وأبقوه حتى يرى الآخرون رأيهم فيه وانفض الديوان وفي ذلك اليوم نودي في الأسواق بنشر الثياب والأمتعة خمسة عشر يومًا وقيدوا على مشايخ الأخطاط والحارات والقلقات بالفحص والتفتيش فعينوا لكل حارة امرأة ورجلين يدخلون البيوت للكشف عن ذلك فتصعد المرأة الى أعلى الدار وتخبرهم عن صحة نشرهم الثياب ثم يذهبون بعد التأكد على أهل المنزل والتحذير من ترك الفعل وكل ذلك لذهاب العفونة الموجبة للطاعون وكتبوا بذلك أوراقًا لصقوهم بحيطان الأسواق على عادتهم في ذلك‏.‏
وفيه حضر الى البيت البكري جم غفير من أولاد الكتاتيب والفقهاء والعميان والمؤذنين وأرباب الوظائف والمستحقين من الزمني والمرضى بالمرستان المنصوري وأوقاف عبد الرحمن كتخدا وشكوا من قطع رواتبهم وخبزهم لأن الأوقاف تعطل إيرادها واستولى على نظارتها النصارى القبط والشوام جعلوا ذلك مغنمًا لهم فواعدهم على حضورهم الديوان وينهوا شكواهم ويتشفع لهم فذهبوا راجعين‏.‏
وفيه قدمت مراكب من جهة الصعيد وفيها عدة من العسكر مجروحين‏.‏
وفيه وضعوا على التلال المحيطة بمصر بيارق بيضًا فأكثر الناس من اللغط ولم يعلموا سبب


وفي يوم الأحد 4 شهر جمادى الأولى سنة 1213 هـ - 14 أكتوبر 1798 ماجتمعوا في الديوان وأخذوا فيما هم فيه فذكروا أمر المواريث فقال ملطي مشايخ أخبرونا عما تصنعونه في قسمة المواريث فأخبروه بفروض المواريث الشرعية فقال ومن أين لكم ذلك فقالوا من القرآن وتلوا عليهم بعض آيات المواريث فقال الإفرنج نحن عندنا لا نورث الولد ونورث البنت ونفعل كذا وكذا بحسب تحسين عقولهم لأن الولد أقدر على التكسب من البنت فقال ميخائيل كحيل الشامي وهو من أهل الديوان أيضًا نحن والقبط يقسم لنا مواريثنا المسلمون ثم التمسوا من المشايخ أن يكتبوا لهم كيفية القسمة ودليلها فسايروهم ووعدوهم بذلك - وانفضوا وفي ذلك اليوم عزلوا محمد آغا المسلماني آغات مستحفظان وجعلوه كتخدا أمير الحاج واستقروا بمصطفى آغا تابع عبد الرحمن آغا مستحفظان سابقًا عوضًا عنه ونودي بذلك‏.‏
وفي يوم الاثنين 5 شهر جمادى الأولى سنة 1213 هـ - 15 أكتوبر 1798 م عملوا لهم ديوانًا وكتبوا لهم كيفية قسمة المواريث وفروض القسمة الشرعية وحصص الورثة والآيات المتعلقة بذلك فاستحسنوا ذلك‏.‏


الضرائب التى وضعها الديوان والفرنسيين هى سبب ثورة / تمرد المصريين بالقاهرة
وفي يوم السبت 10 شهر جمادى الأولى سنة 1213 هـ - 20 أكتوبر 1798 م عملوا الديوان وأحضروا قائمة مقررات الأملاك والعقار فجعلوا على الأقل ثمانية فرانسة والأوسط ستة والأدنى ثلاثة وما كان أجرته أقل من ريال في الشهر فهو معافى وأما الوكائل والخانات والحمامات والمعاصر والسيارج والحوانيت فمنها ما جعلوا عليه ثلاثين وأربعين بحسب الخمسة والرواج والاتساع وكتبوا بذلك مناشير على عادتهم وألصقوها بالمفارق والطرق وأرسلوا منها نسخًا للأعيان وعينوا المهندسين ومعهم أشخاص لتمييز الأعلى من الأدنى وشرعوا في الضبط والإحصاء ( إنفض الديوان دون أن يستطيع تخفيف الضرائب التى إستحدثها الفرنسيين , لذلك لم يكد ينفض حتى شيعت نار الثورة فى القاهرة - عبد الرحمن الرافعى - الحركة القومية ج1 ص 117 ) وطافوا ببعض الجهات لتحرير القوائم وضبط أسماء أربابها ولما أشيع ذلك في الناس كثر لغطهم واستعظموا ذلك والبعض استسلم للقضاء فانتبذ جماعة من العامة وتناجوا في ذلك ووافقهم على ذلك بعض المتعممين ( كانمن بين هؤلاء المتعممين بعض مشايخ الأزهر الذين أغضبهم عدم إشراك بونابرت إياهم فى منظمات أو دواوين الحكومة " الوطنية " الجديدة ومؤسساتها , وفضلاً عن ذلك فقد أصدر السلطان فرماناً يحرض المسلمين على القيام ضد الكفرة الفرنسيين , كما أن زعيمى المماليك " مراد بيك وأبراهيم بيط " ظلا يبعثان بالرسائل إلى الأزهر لتحريك الفتنة - راجع ما كتبه د/ فؤاد شكرى - عبدالله جاك مينو ص 112 ) الذي لم ينظر في عواقب الأمور ولم يتفكر أنه في القبضة مأسور فتجمع الكثير من الغوغاء من غير رئيس يسوسهم ولا قائد يقودهم


وأصبحوا يوم الأحد 11 شهر جمادى الأولى سنة 1213 هـ - 21 أكتوبر 1798 م متحزبين وعلى الجهاد عازمين وأبرزوا ما كانوا أخفوه من السلاح وآلات الحرب والكفاح وحضر السيد بدر وصحبته حشرات الحسينية وزعر الحارات البرانية ولهم صياح عظيم وهول جسيم ويقولون بصياح في الكلام نصر الله دين الإسلام فذهبوا الى بيت قاضي العسكر وتجمعوا وتبعهم ممن على شاكلتهم نحو الألف والأكثر فخاف القاضي العاقبة وأغلق أبوابه وأوقف حجابه فرجموه بالحجارة والطوب وطلب الهرب فلم يمكنه الهروب وكذلك اجتمع بالأزهر العالم الأكبر وفي ذلك الوقت حضر دبوي بطائفة من فرسانه وعساكره وشجعانه فمر بشارع الغورية وعطف على خط الصنادقية وذهب الى بيت القاضي فوجد ذلك الزحام فخاف وخرج من بين القصرين وباب الزهومة وتلك الأخطاط بالخلائق مزحومة فبادروا إليه وضربوه وأثخنوا جراحاته وقتل الكثير من فرسانه وأبطاله وشجعانه فعند ذلك أخذ المسلمون حذرهم وخرجوا يهرعون ومن كل حدب ينسلون ومسكوا أطراف الدائرة بمعظم أخطاط القاهرة كباب الفتوح وباب النصر والبرقية الى باب زويلة وباب الشعرية وجهة البندقانيين وما حاذاها ولم يتعدوا جهة سواها وهدموا مساطب الحوانيت وجعلوا أحجارها متاريس للكرنكة لتعوق هجوم العدو في وقت المعركة ووقف دون كل متراس جمع عظيم من الناس وأما الجهات البرانية والنواحي الفوقانية فلم يفزع منهم فازع ولم يتحرك منهم أحد ولم يسارع وكذلك شذ عن الوفاق مصر العتيقة وبولاق وعذرهم الأكبر قربهم من مساكن العسكر ولم تزل طائفة المحاربين في الأزقة متترسين

نهب بيوت المسيحيين وسبى نسائهم
فوصل جماعة من الفرنساوية وظهروا من ناحية المناخلية وبندقوا على متراس الشوائين وبه جماعة من مغاربة الفحامين فقاتلوهم حتى أجلوهم وعن المناخلية أزالوهم ذلك ذلك زاد الحال وكثر الرجف والزلزال وخرجت العامة عن الحد وبالغوا في القضية بالعكس والطرد وامتدت أيديهم الى النهب والخطف والسلب فهجموا على حارة الجوانية ونهبوا دور النصارى الشوام والأروام وما جاورهم من بيوت المسلمين على التمام وأخذوا الودائع والأمانات وسبوا النساء والبنات وكذلك نهبوا خان الملايات وما به من الأمتعة والموجودات وأكثروا من المعايب ولم يفكروا في العواقب وباتوا تلك الليلة سهرانين وعلى هذا الحال مستمرين

الثوار المسلمين يقولون : نادوا يا سلام من هذه الآلام يا خفي الألطاف نجنا مما نخاف


وأما الإفرنج فإنهم أصبحوا مستعدين على تلال البرقية والقلعة واقفين وأحضروا جميع الآلات من المدافع والقنابر والبنبات ووقفوا مستحضرين ولأمر كبيرهم منتظرين وكان كبير الفرنسيس أرسل الى المشايخ مراسلة فلم يجيبوه عنها ومل من المطاولة هذا والرمي متتابع من الجهتين وتضاعف الحال ضعفين حتى مضى وقت العصر وزاد القهر والحصر فعند ذلك ضربوا بالمدافع والبنبات على البيوت والحارات وتعمدوا بالخصوص الجامع الأزهر وجرروا عليه المدافع والقنبر وكذلك ما جاوره من أماكن المحاربين كسوق الغورية والفحامين فلما سقط عليهم ذلك ورأوه ولم يكونوا في عمرهم عاينوه : " نادوا يا سلام من هذه الآلام يا خفي الألطاف نجنا مما نخاف " وهربوا من كل سوق ودخلوا في الشقوق وتتابع الرمي من القلعة والكيمان حتى تزعزعت الأركان وهدمت في مرورها حيطان الدور وسقطت في بعض القصور ونزلت في البيوت والوكائل وأصمت الآذان بصوتها الهائل فلما عظم هذا الخطب وزاد الحال والكرب ركب المشايخ الى كبير الفرنسيس ليرفع عنهم هذا النازل ويمنع عسكره من الرمي المتراسل ويكفهم كما تكف المسلمون عن القتال والحرب خدعة وسجال فلما ذهبوا إليه واجتمعوا عليه عاتبهم في التأخير واتهمهم في التقصير فاعتذروا إليه فقبل عذرهم وأمر برفع الرمي عنهم وقاموا من عنده وهم ينادون بالأمان في المسالك وتسامع الناس بذلك فردت فيهم الحرارة وتسابقوا لبعضهم بالبشارة واطمأنت منهم القلوب وكان الوقت قبل الغروب وانقضى النهار وأقبل الليل وغلب على الظن أن القضية لهاذل وأما الحسينية والعطوف البرانية فإنهم لم يزالوا مستمرين وعلى الرمي والقتال ملازمين ولكن خانهم المقصود وفرغ منهم البارود والإفرنج أثخنوهم بالرمي المتتابع بالقنابر والمدافع الى أن مضى من الليل نحو ثلاث ساعات وفرغت من عندهم الأدوات فعجزوا عن ذلك وانصرفوا وكف عنهم القوم وانحرفوا وبعد هجعة من الليل دخل الإفرنج المدينة كالسيل ومروا في الأزقة والشوارع لا يجدون لهم ممانع كأنهم الشياطين أو جند إبليس( الصورة المقابلة : الفرنسيين يدخلون القاهرة بعد أن هرب المسلمين ) وهدموا ما وجدوه من المتاريس ودخل طائفة من باب البرقية ومشوا الى الغورية وكروا ورجعوا وترددوا ما هجعوا وعلموا باليقين أن لا دافع لهم ولا كمين وتراسلوا ارسالًا ركبانًا ورجالًا

الفرنسيين يدخلون الأزهر بالخيول

ثم دخلوا الى الجامع الأزهر وهم راكبون الخيول وبينهم المشاة كالوعول ( الصورة الجانبية للجامع الأزهر )‏.‏
وتفرقوا بصحته ومقصورته وربطوا خيولهم بقبلته وعاثوا بالأروقة والحارات وكسروا القناديل والسهارات وهشموا خزائن الطلبة والمجاورين والكتبة ونهبوا ما وجدوه من المتاع والأواني والقصاع والودائع والمخبآت بالدواليب والخزانات ودشتوا الكتب والمصاحف على الأرض طرحوها وبأرجلهم ونعالهم داسوها وأحدثوا فيه وتغوطوا وبالوا وتمخطوا وشربوا الشراب وكسروا أوانيه وألقوها بصحنه ونواحيه وكل من صادفوه به عروه ومن ثيابه أخرجوه وأصبح يوم الثلاثاء فاصطف منهم خرب بباب الجامع فكل من حضر للصلاةيراهم فيكر راجعًا ويسارع وتفرقت طوائفهم بتلك النواحي أفواجًا واتخذوا السعي والطواف بها منهاجًا وأحاطوا بها إحاطة السوار ونهبوا بعض الديار بحجة التفتيش على النهب وآلة السلاح والضرب وخرجت سكان تلك الجهة يهرعوا وللنجاة بأنفسهم طالبون وانتهكت حرمة تلك البقعة بعد أن كانت أشرف البقاع ويرغب الناس في سكناها ويودعون عند أهلها ما يخافون عليه الضياع والفرنساوية لا يمرون بها إلا نادرًا ويحترمونها عن غيرها في الباطن والظاهر فانقلب بهذه الحركة منها الموضوع وانخفض على غير القياس المرفوع ثم ترددوا في الأسواق ووقفوا صفوفًا مئينًا وألوفًا فإن مر بهم أحد فتشوه وأخذوا ما معه وربما قتلوه‏.‏
مطالبة المسيحيين ما سرقة المسلمين من بيوتهم ونسائهم
ورفعوا القتلى والمطروحين من الإفرنج والمسلمين ووقف جماعة من الفرنسيس ونظفوا مراكز المتاريس وأزالوا ما بها من الأتربة والأحجار المتراكمة ووضعوها في ناحية لتصير طريق المرور خالية وتحزبت نصارى الشوام وجماعة أيضًا من الأروام الذين انتهبت دورهم بالحارة الجوانية ليشكوا لكبير الفرنسيس ما لحقهم من الزرية واغتنموا الفرصة في المسلمين وأظهروا ما هو بقلوبهم كمين وضربوا فيهم المضارب وكأنهم شاركوا الإفرنج في النوائب وما قصدهم المسلمون ونهبوا ما لديهم إلا لكونهم منسوبين إليهم مع أن المسلمين الذين جاوروهم نهبهم الذعر أيضًا وسلبوهم وكذلك خان الملايات المعلوم الذي عند باب حارة الروم فيه بضائع المسلمين وودائع الغائبين فسكت المصاب على غصته واستعوض الله في قضيته لأنه إن تكلم لا تسمع دعواه ولا يلتفت الى شكواه .


الفرنسيين يقبضون على من حمل السلاح ضدهم
وانتدب برطلمين للعسس على من حمل السلاح أو اختلس وبث أعوانه في الجهات يتجسسون في الطرقات فيقبضون على الناس بحسب أغراضهم وما ينهيه النصارى من أبغاضهم فيحكم فيهم بمراده ويعمل برأيه واجتهاده‏.‏
ويأخذ منهم الكثير ويركب في موكبه ويسير وهم موثوقون بين يديه بالحبال ويسحبهم الأعوان بالقهر والنكال فيودعونهم السجونات ويطالبونهم بالمنهوبات ويقررونهم بالعقاب والضرب ويسألونهم عن السلاح وآلات الحرب ويدل بعضهم على بعض فيضعون على المدلول عليهم أيضًا القبض وكذلك فعل مثل ما فعله اللعين الآغا وتجبر في أفعاله وطغى‏.‏
وكثير من الناس ذبحوهم وفي بحر النيل قذفوهم ومات في هذين اليومين وما بعدهما أمم كثيرة لا يحصي عددها إلا الله وطال بالكفرة بغيهم وعناديهم ونالوا من المسلمين قصدهم ومرادهم


إخراج عسكر الفرنسيين من الأزهر بعد طلب الشيوخ
وأصبح يوم الأربعاء 14 شهر جمادى الأولى سنة 1213 هـ - 24 أكتوبر 1798 م فركب فيه المشايخ أجمع وذهبوا لبيت صاري عسكر وقابلوه وخاطبوه في العفو ولاطفوه والتمسوا منه أمانًا كافيًا وعفوًا ينادون به باللغتين شافيًا لتطمئن بذلك قلوب الرعية ويسكن روعهم من هذه الرزية فوعدهم وعدًا مشوبًا بالتسويف وطالبهم بالتبيين والتعريف عمن تسبب من المتعممين في إثارة العوام وحرضهم على الخلاف والقيام فغالطوه عن تلك المقاصد فقال على لسان الترجمان ( الصورة المقابلة : ترجمان بالملابس الرسمية ) نحن نعرفهم بالواحد فترجوا عنده في إخراج العسكر من الجامع الأزهر فأجابهم لذلك السؤال وأمر بإخراجهم في الحال وأبقوا منهم السبعين أسكنوهم في الخطة كالضابطين ليكونوا للأمور كالراصدين وبالأحكام متقيدين‏.‏
ثم أنهم فحصوا على المتهمين في إثارة الفتنة فطلبوا الشيخ سليمان الجوسقي شيخ طائفة العميان والشيخ أحمد الشرقاوي والشيخ عبد الوهاب الشبراوي والشيخ يوسف المصيلحي والشيخ اسمعيل البراوي وحبسوهم ببيت البكري وأما السيد بدر المقدسي فإنه تغيب وسافر الى جهة الشام وفحصوا عليهم فلم يجدوه وتردد المشايخ لتخليص الجماعة المعوقين فغولطوا واتهم أيضًا ابراهيم أفندي كاتب البهار بأنه جمع له جمعًا من الشطار وأعطاهم الأسلحة والمساوق وكان عنده عدة من المماليك المخيفين والرجال المعدودين فقبضوا عليه وحبسوه ببيت الآغا‏.‏


رد بعض أمتعة الأقباط التى سرقها المسلمين
وفي يوم الأحد 18 شهر جمادى الأولى سنة 1213 هـ - 28 أكتوبر 1798 م توجه شيخ السادات وباقي المشايخ الى بيت صاري عسكر الفرنسيين وتشفعوا عنده في الجماعة المسجونين ببيت الآغا وقائمقام والقلعة فقيل لهم وسعوا بالكم ولا تستعجلوا فقاموا وانصرفوا‏.‏
وفيه نادوا في الأسواق بالأمان ولا أحد يشوش على أحد مع استمرار القبض على الناس وكبس البيوت بأدنى شبهة ورد بعضهم الأمتعة التي نهبت للنصارى‏.‏


فيلق المغاربة ينضم إلى الجيش الفرنسى
وفيه توسط القلقجي لمغاربة الفحامين وجمع منهم ومن غيرهم عدة وافرة وعرضهم على صاري عسكر فاختار منهم الشباب وأولي القوة وأعطاهم سلاحًا وآلات حرب ورتبهم عسكرًا ورئيسهم عمر المذكور وخرجوا وأمامهم البطل الشامي على عادة عسكر المغاربة وسافروا جهة بحري بسبب أن بعض البلاد قام على عسكر الفرنساوية وقت الفتنة وقاتلوهم وضربوا أيضًا مركبين بها عدة من عساكرهم فحاربواهم وقاتلوهم فلما ذهب أولئك المغاربة سكنوا الفتنة وضربوا عشمًا ( هى بلدة تابعة لمركز الشهداء محافظة المنوفية ) وقتلوا كبيرها المسمى بابن شعير ونهبوا داره ومتاعه وماله وبهائمه وكان شيئًا كثيرًا جدًا وأحضروا إخوته وأولاده وقتلوهم ولم يتركوا منهم سوى ولد صغير جعلوه شيخًا عوضًا عن أبيهم وسكن العسكر المغربي بدار عند باب سعادة ورتبوا له من الفرنسيس جماعة يأتون إليهم في كل يوم ويدربونهم على كيفية حربهم وقانونهم ومعنى إشاراتهم في مصافاتهم فيقف المعلم والمتعلمون مقابلون له صفًا وبأيديهم بناقدهم فيشير إليهم بألفاظ لغتهم كأن يقول مردبوش فيرفعونها قابضين بأكفهم على أسافلها ثم يقول مرش فيمشون صفوفًا الى غير ذلك‏.‏
وفيه سافر برطلمين الى ناحية سرياقوس ومعه جملة من العسكر بسبب الناس الفارين الى جهة الشرق فلم يدركهم وأخذ من في البلاد وعسف في تحصيلها ورجع بعد أيام‏.‏
وفي يوم الأربعاء 21 شهر جمادى الأولى سنة 1213 هـ - 31 أكتوبر 1798 م خاطب الشيخ محمد المهدي صاري عسكر في أمر ابراهيم أفندي كاتب البهار وتلطف به بمعونة بوسليك المعروف بمدير الحدود وهو عبارة عن الروزنامجي ونقله من بيت الآغا الى داره وطلبوا منه قائمة كشف عما يتعلق بالمماليك بدفتر البهار‏.‏
وفي يوم الخميس 22 شهر جمادى الأولى سنة 1213 هـ - 1 نوفمبر 1798 م سافر عدة من المراكب نحو الأربعين بها عسكر الفرنسيس الى جهة بحري‏.‏
وفي ليلة السبت 24 شهر جمادى الأولى سنة 1213 هـ - 3 نوفمبر 1798 م حضر هجان من ناحية الشام وعلى يده مكاتبات وهي صورة فرمان وعليه طرة ومكتوب من أحمد باشا الجزار وآخر من بكر باشا الى كتخدائه مصطفى بك ومكتوب من ابراهيم بك خطابًا للمشايخ وذلك كله بالعربي ومضمون ذلك بعد براعة الاستهلال والآيات القرآنية والأحاديث والآثار المتعلقة بالجهاد ولعن طائفة الإفرنج والحط عليهم وذكر عقيدتهم الفاسدة وكذبهم ونحيلهم وكذلك بقية المكاتبات بمعنى ذلك فأخذها مصطفى بك كتخدا وذهب بها الى صاري عسكر فلما اطلع عليها قال هذا تزوير من ابراهيم بك ليوقع بيننا وبينكم العداوة والمشاحنة وأما أحمد باشا فهو رجل فضولي لم يكن واليًا بالشام ولا مصر لأن والي الشام ابراهيم باشا وأما والي مصر فهو عبد الله باشا بن العظم الذي هو الآن والي الشام فأنا أعلم بذلك وسيأتي بعد أيام والي ويقيم معه كما كانت المماليك مع الولاة‏.‏
وورد خبر أيضًا بانفصال محمد عزت عن الصدارة وعزل كذلك أنفار من رجال الدولة وفي مدة هذه الأيام بطل الاجتماع بالديوان المعتاد وأخذوا في الاهتمام في تحصين النواحي والجهات وبنوا أبنية على التلول المحيطة بالبلد ووضعوا بها عدة مدافع وقنابر وهدموا أماكن بالجيزة وحصنوها تحصينًا زائدًا وكذلك مصر العتيقة ونواحي شبرا وهدموا عدة مساجد منها المساجد المجاورة لقنطرة انبابة الرمة ومسجد المقس المعروف الآن بأولاد عنان على الخليج الناصري بباب البحر وقطعوا نخيلًا كثيرة وأشجار الجيزة التي عند أبي هريرة قطعوها وحفروا هناك خنادق كثيرة وغير ذلك وقطعوا نخيل جهة الحلي وبولاق وخربوا دورًا كثيرة وكسروا شبابيكها وأبوابها وأخذوا أخشابها لاحتياج العمل والوقود وغير ذلك‏.‏
وفي ليلة الأحد حضر 25 شهر جمادى الأولى سنة 1213 هـ - 4 نوفمبر 1798 م جماعة من عسكر الفرنسيس الى بيت البكري نصف الليل وطلبوا المشايخ المحبوسين عند صاري عسكر ليتحدث معهم فلما صاروا خارج الدار وجدوا عدة كثيرة في انتظارهم فقبضوا عليهم وذهبوا بهم الى بيت قائمقام بدرب الجماميز وهو الذي كان به دبوي قائمقام المقتول وسكنه بعده الذي تولى مكانه فلما وصلوا بهم هناك عروهم من ثيابهم وصعدوا بهم الى القلعة فسجنوهم الى الصباح فأخرجوهم وقتلوهم بالبنادق وألقوهم من السور خلف القلعة وتغيب حالهم عن أكثر الناس أيامًا وفي ذلك اليوم ركب بعض المشايخ الى مصطفى بك كتخدا الباشا وكلموه في أن يذهب معهم الى صاري عسكر ويشفع معهم في الجماعة المذكورين ظنًا منهم أنهم في قيد الحياة فركب معهم إليه وكلموه في ذلك فقال لهم الترجمان اصبروا ما هذا وقته " ! وتركهم وقام ليذهب فى بعض أشغاله , فنهض الجماعة أيضاً وركبوا إلى دورهم .


وفي يوم الثلاثاء 27 شهر جمادى الأولى سنة 1213 هـ - 6 نوفمبر 1798 م حضر عدة من عسكر الفرنسيس ووقفوا بحارة الأزهر فتخيل الناس منهم المكروه ووقعت فيهم كرشة وأغلقوا الدكاكين وتسابقوا الى الهروب وذهبوا الى البيوت والمساجد واختفت آراؤهم ورأوا في ذلك أقضية بحسب تخمينهم وظنهم وفساد مخيلهم فذهب بعض المشايخ الى صاري عسكر وأخبروه بذلك وتخوف الناس فأرسل إليهم وأمرهم بالذهاب فذهبوا وتراجع الناس وفتحوا الدكاكين ومر الآغا والوالي وبرطلمين ينادون بالأمان وسكن الحال وقيل إن بعض كبرائهم حضر عند القلق الساكن بالمشهد وجلس عنده حصة هؤلاء كانوا أتباعه ووقفوا ينتظرونه ولعل ذلك قصدًا للتخويف والإرهاب خشية من قيام فتنة لما أشيع قتل المشايخ المذكورين وهو الأرجح‏.‏
وفيه كتبوا أوراقًا وألصقوها بالأسواق تتضمن العفو والتحذير من إثارة الفتنة وأن من قتل من المسلمين في نظير من قتل من الفرنسيس‏.‏
وفيه شرعوا في إحصاء الأملاك والمطالبة بالمقرر فلم يعارض في ذلك معارض ولم يتفوه بكلمة والذي لم يرض بالتوت يرضى بحطبه‏.‏
وفيه أيضًا قلعوا أبواب الدروب والحارات الصغيرة غير النافذة وهي التي كانت تركت وسومح أصحابها وبرطلوا عليها وصالحوا عليها قبل الحادثة وبرطلوا القلقات والوسايط على إبقائها وكذلك دروب الحسينية فلما انقضت هذه الحادثة ارتجعوا عليها وقلعوها ونقلوها الى ما جمعوه من البوابات بالأزبكية ثم كسروا جميعها وفصلوا أخشابها ورفعوا بعضها على العربات الى حيث أعمالهم بالنواحي والجهات وباعوا بعضها حطبًا للوقود وكذلك ما بها من الحديد وغيره‏.‏
وفي ليلة الخميس 29 شهر جمادى الأولى سنة 1213 هـ - 8 نوفمبر 1798 م هجم المنسر على بوابة سوق طولون وكسروها وعبروا منها الى السوق فكسروا القناديل وفتحوا ثلاثة حوانيت وأخذوا ما بها من متاع المغاربة التجار وقتلوا القلق الذي هناك وخرجوا بدون مدافع ولا منازع‏.‏
وفي يوم الخميس المذكور ذهب المشايخ الى صاري عسكر وتشفعوا في ابن الجوسقي شيخ العميان الذي قتل أبوه وكان معوقًا ببيت البكري فشفعهم فيه وأطلقوه‏.‏


حادثة نهب المسلمين لأجهزة العلماء بدار العلم فى بيت مصطفى كاشف طرا
وفى يوم السبت 1 شهر جمادى الثانية سنة 1213‏ هـ - 10 نوفمبر 1798 م .‏
فيه كتبوا عدة أوراق على لسان المشايخ ( عبارة عن لسان المشايخ تعنى فى كثير الأحيان فتوى - وقد قال المعلق على كتاب الجبرتى فى الحاشية أسفل صفحة 279 : عبارة على لسان المشايخ لا يفهم منها أن المشايخ قد كتبوها حقاً أو أقروها ... فإذا كان قد كتبوها فلا بارك الله فيهم ولا فى أمثالهم !! ) وأرسلوها الى البلاد وألصقوا منها نسخًا بالأسواق والشوارع‏.‏
وصورتها‏:‏ نصيحة من كافة علماء الإسلام بمصر المحروسة


نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن ونبرأ الى الله من الساعين في الأرض بالفساد

نعرف أهل مصر المحروسة من طرف الجعيدية وأشرار الناس حركوا الشرور بين الرعية وبين العساكر الفرنساوية بعدما كانوا أصحابًا وأحبابًا لسوية وترتب على ذلك قتل جملة من المسلمين ونهبت بعض البيوت ولكن حصلت ألطاف الله الخفية وسكنت الفتنة بسبب شفاعتنا عند أمير الجيوش بونابرته‏.‏
وارتفعت هذه البلية لأنه رجل كامل العقل عنده رحمة وشفقة على المسلمين ومحبة الى الفقراء والمساكين ولولاه لكانت العسكر أحرقت جميع المدينة ونهبت جميع الأموال وقتلوا كامل أهل مصر فعليكم أن لا تحركوا الفتن ولا تطيعوا أمر المفسدين ولا تسمعوا كلام المنافقين ولا تتبعوا الأشرار ولا تكونوا من الخاسرين سفهاء العقول الذين لا يقرأون العواقب لأجل أن تحفظوا أوطانكم وتطمئنوا على عيالكم وأديانكم فإن الله سبحانه وتعالى يؤتي ملكه من يشاء ويحكم ما يريد وتخبركم أن كل من تسبب في تحريك هذه الفتنة قتلوا من آخرهم وأراح الله منهم العباد والبلاد ونصيحتنا لكم أن لا تلقوا بأيديكم الى التهلكة واشتغلوا بأسباب معايشكم وأمور دينكم وادفعوا الخراج الذي عليكم الدين النصيحة والسلام‏.‏
وفيه أمروا بقية السكان على بركة الأزبكية وما حولها بالنقلة من البيوت ليسكنوا بها جماعتكم المتباعدين منهم ليكون الكل في حومة واحدة وذلك لما دخلهم من المسلمين حتى أن الشخص منهم صار لا يمشي بدون سلاح بعد أن كانوا من حين دخولهم البلد لا يمشون به أصلًا إلا لغرض والذي لم يكن معه سلاح يأخذ بيده عصا أو سوطًا أو نحو ذلك وتنافرت قلوبهم من المسلمين وتحذروا منهم وانكف المسلمون عن الخروج والمرور بالأسواق من الغروب الى طلوع النهار ومن جملة من انتقل من الدرب الأحمر الى الأزبكية كفرلي المسمى بأبي خشبة ( الصورة المقابلة لـ الكفرلى " أبو خشبة " ) وهو يمشي بها بدون معين ويصعد الدرج ويهبط منها أسرع من الصحيح ويركب الفرس ويرمحه وهو على هذه الحالة وكان من جملة المشار إليهم فيهم والمدبر لأمور القلاع وصفوف الحروب ولهم به عناية عظيمة واهتمام زائد كان يسكن ببيت مصطفى كاشف طرا وفي وقت الحادثة هجمت على الدار العامة ونهبوها وقتلوا منها بعض الفرنساوية وفر الباقون‏.‏
فأخبروا من بالقلعة الكبيرة فنزل منهم عدة وافرة وقف بعضهم خارج الدار بعد أن طردوا المزدحمين ببابها وضربوهم بالبندق ودخل الباقون فقتلوا من وجدوه بها من المسلمين وكانوا جملة كثيرة وكان بتلك الدار شيء كثير من آلات الصنائع والنظارات الغريبة والآلات الفلكية والهندسية والعلوم الرياضية وغير ذلك مما هو معدوم النظير كل آلة لا قيمة لها عند من يعرف صنعتها ومنفعتها فبدد ذلك كله العامة وكسروه قطعًا وصعب ذلك على الفرنسيس جدًا وقاموا مدة طويلة يفحصون عن تلك الآلات ويجعلون لمن يأتيهم بها عظيم الجعالات‏.‏ وممن قتل في وقعة هذه الدار الشيخ محمد الزهار‏.‏
وفي يوم الأربعاء 5 شهر جمادى الثانية سنة 1213‏ هـ - 14 نوفمبر 1798 م أفرجوا عن ابراهيم أفندي كاتب البهار وتوجه الى بيته‏.‏
وفي السبت 8 شهر جمادى الثانية سنة 1213‏ هـ - 17 نوفمبر 1798 م قتلوا أربعة أنفار من القبط منهم إثنان من النجارين قيل إنهم سكروا في الخمارة ومروا في سكرهم وفتحوا بعض الدكاكين وسرقوا منها أشياء وقد تكرر منهم ذلك عدة مرار فاغتاظ لذلك القبطة‏.‏
وفيه كتبوا عدة أوراق وأرسلوا منها نسخًا للبلاد وألصقوا منها بالأخطاط والأسواق ذلك على لسان المشايخ أيضًا ولكن تزيد صورتها عن الأولى‏.‏ وصورتها


نصيحة من علماء الإسلام بمصر المحروسة

نخبركم يا أهل المدائن والأمصار من المؤمنين ويا سكان الأرياف من العربان والفلاحين أن ابراهيم بك ومراد بك وبقية دولة المماليك أرسلوا عدة مكاتبات ومخاطبات الى سائر الأقاليم المصرية لأجل تحريك الفتنة بين المخلوقات وادعوا أنها من حضرة مولانا السلطان ومن بعض وزرائه بالكذب والبهتان‏.‏
وبسبب ذلك حصل لهم شدة الغم والكرب الزائد واغتاظوا غيظًا شديدًا من علماء مصر ورعاياها حيث لم يوافقوهم على الخروج معهم وتركوا عيالهم وأوطانهم فأرادوا أن يوقعوا الفتنة والشر بين الرعية والعسكر الفرنساوية لأجل خراب البلاد وهلاك كامل الرعية وذلك لشدة ما حصل لهم من الكرب الزائد بذهاب دولتهم وحرمانهم من مملكة مصر المحمية ولو كانوا في هذه الأوراق صادقين بأنها من حضرة سلطان السلاطين لأرسلها جهارًا مع أغوات معينين ونخبركم أن الطائفة الفرنساوية بالخصوص عن بقية الطوائف الإفرنجية دائمًا يحبون المسلمين وملتهم ويبغضون المشركين وطبيعتهم أحباب لمولانا السلطان قائمون بنصرته وأصدقاء له ملازمون لمودته وعشرته ومعونته يحبون من والاه ويبغضون من عاداه ولذلك بين الفرنساوية والموسكوف غاية العداوة الشديدة من أجل عداوة المسكوف القبيحة الرديئة‏.‏
والطائفة الفرنساوية يعادون حضرة السلطان على أخذ بلادهم إن شاء الله تعالى ولا يبقون منهم بقية فننصحكم أيها الأقاليم المصرية أنكم لا تحركوا الفتن ولا الشرور بين البرية ولا تعارضوا العساكر الفرنساوية بشيء من أنواع الأذية فيحصل لكم الضرر والهلاك ولا تسمعوا كلام المفسدين ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون فتصبحوا على ما فعلتم نادمين وإنما عليكم دفع الخراج المطلوب منكم لكامل الملتزمين لتكونوا بأوطانكم سالمين وعلى أموالكم وعيالكم آمنين مطمئنين لأن حضرة صاري عسكر الكبير أمير الجيوش بونابارته اتفق معنا على أنه لا ينازع أحدًا في دين الإسلام ولا يعارضنا فيما شرعه الله من الأحكام ويرفع عن الرعية سائر المظالم ويقتر على أخذ الخراج ويزيل ما أحدثه الظلمة من المغارم فلا تعلقوا آمالكم بابراهيم ومراد وراجعوا الى مولاكم مالك الملك وخالق العباد فقد قال نبيه ورسوله الأكرم الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها بين الأمم عليه أفضل الصلاة والسلام‏.‏


الخميس 13 شهر جمادى الثانية سنة 1213‏ هـ - 22 نوفمبر 1798 م قتلوا شخصين عند باب زويلة أحدهما يهودى ولم يتحقق السبب فى قتلهما . وفيه أخرجوا من بيت نسيب ابراهيم كتخدا صناديق ضمنها مصاغ وجواهر وأواني ذهب وفضة وأمتعة وملابس كثيرة‏.‏
وف السبت 15 شهر جمادى الثانية سنة 1213‏ هـ - 24 نوفمبر 1798 م حضر جماعة من الفرنساوية بباب زويلة وفتحوا بعض دكاكين السكرية وأخذوا منها سكرًا وضاع على أصحابه‏.‏
وفيه دلوا على إنسان عنده صندوقان وديعة لأيوب بك الدفتردار فطلبوه وأمروه بإحضارهما فأحضرهما بعد الإنكار والحجد عدة مرار فوجدوا ضمنهما أسلحة وجواهر وسبح لؤلؤ وخناجر مجوهرة وغير ذلك‏.‏
وفي الخميس 20 شهر جمادى الثانية سنة 1213‏ هـ - 29 نوفمبر 1798 م كتبوا عدة أوراق مطبوعة وألصقوها بالأسواق مضمونها أن في يوم الجمعة حادي عشرينه قصدنا أن نطير مركبًا ببركة الأزبكية في الهواء بحيلة فرنساوية فكثر لغط الناس في هذا كعادتهم فلما كان ذلك اليوم قبل العصر تجمع الناس والكثير من الإفرنج ليروا تلك العجيبة وكنت بجملتهم فرأيت قماشًا على هيئة الأدية على عمود قاتم وهو ملون أحمر وأبيض وأزرق على مثل دائرة الغربال وفي وسطه مسرجة بها فتيلة مغموسة ببعض الأدهان وتلك المسرجة مصلوبة بسلوك من حديد منها الى الدائرة وهي مشدودة ببكر وأحبال وأطراف الأحبال بأيدي أناس قائمين بأسطحة البيوت القريبة منها فلما كان بعد العصر بنحو ساعة أوقدوا تلك الفتيلة فصعد دخانها الى ذلك القماش وملأه فانتفخ وصار مثل البكرة وطلب الدخان الصعود الى مركزه فلم يجد منفذًا فجذبها معه الى العلو فجذبوها بتلك الأحبال مساعدة لها حتى ارتفعت عن الأرض فقطعوا تلك الحبال فصعدت الى الجو مع الهواء ومشت هنيهة لطيفة ثم سقطت طارتها بالفتيلة وسقط أيضًا ذلك القماش وتناثر منها أوراق كثيرة من نسخ الأوراق المبصومة فلما حصل لها ذلك انكسف طبعهم لسقوطها ولم يتبين صحة ما قالوه من أنها على هيئة مركب تسير في الهواء بحكمة مصنوعة ويجلس فيها أنفار من الناس ويسافرون فيها الى البلاد البعيدة لكشف الأخبار وإرسال المراسلات بل ظهر أنها مثل الطيارة التي يعملها الفراشون بالمواسم والأفراح‏.‏
قتل الكلاب فى حوارى مصر
وفي تلك الليلة طاف منهم أنفار بالأسواق ومعهم مقاطف بها لحوم مسمومة فأطعموها للكلاب فمات منها جملة كثيرة فلما طلع النهار وجد الناس الكلاب مرمية وطرحى بالأسواق وهي موتى فاستأجروا لها من أخرجها الى الكيمان وسبب ذلك أنهم لما كانوا يمرون في الليل وهم سكوت كانت الكلاب تنبحهم وتعدو خلفهم ففعلوا بها ذلك وارتاحوا هم والناس منها‏.‏
وفي الأربعاء 26 شهر جمادى الثانية سنة 1213‏ هـ - 5 ديسمبر 1798 م سافر عدة عساكر الى جهة مراد بك وكذلك الى جهة كرداسة ( مركز الجيزة ) بسبب العربان وكذلك الى السويس والصالحية وأخذوا جمال السقائين برواياها وحميرهم ولكن يعطونهم وفيه ظفروا بعدة ودائع وخبايا بأماكن متعددة بها صناديق وأمتعة وأسلحة وأواني صيني وأواني نحاس قناطير وغير ذلك وانقضى هذا الشهر وما حصل به من الحوادث الكلية والجزئية التي لا يمكن ضبطها لكثرتها‏.‏
منها أنهم أحدثوا بغيط النوبي المجاور للأزبكية أبنية على هيئة مخصومة منتزهة يجتمع بها النساء والرجال للهو والخلاعة في أوقات مخصوصة وجعلوا على كل من يدخل إليه قدرًا مخصوصًا يدفعه أو يكون مأذونًا وبيده ورقة‏.‏


المؤرخ المسلم الجبرتى يقول عن العلوم الفرنسية : لا تسعها عقول أمثالنـــــــا
تعمير مصر وإنشاء مركز للعلوم
ومنها أنهم هدموا وبنوا بالمقياس والروضة وهدموا أماكن بالجيزة ومهدوا التل المجاور لنقطرة الليمون وجعلوا في أعلاه طاحونًا تدور في الهواء عجيبة وتطحن الأرادب من البر وهي بأربعة أحجار وطاحونًا أخرى بالروضة تجاه مساطب النشاب وهدموا الجامع المجاور لقنطرة الدكة وشرعوا في ردم جهات حوالي بركة الأزبكية وهدموا الأماكن المقابلة لبيت صاري عسكر حتى جعلوها رحبة متسعة وهدموا الأماكن المقابلة لها من الجهة الأخرى والجنائن التي خلف ذلك وقطعوا أشجارها وردموا مكانها بالأتربة الممهدة على خط معتدل من الجهتين مبتدأ من حد بيت صاري عسكر الى قنطرة المغربي وجددوا القنطرة المذكورة وكانت آلت الى السقوط وفعلوا بعدها كذلك على الوضع والنسق بحيث صار جسرًا عظيمًا ممتدًا ممهدًا مستويًا على خط مستقيم من الأزبكية الى بولاق قسمين‏:‏ قسم الى طريق أبي العلا وقسم يذهب الى جهة التبانة وساحل النيل وبطريقة الطريق المسلوكة الواصلة من طريق أبي العلا وجامع الخطيري الى ناحية المدابغ وحفروا في جانبي ذلك الجسر من مبدئه الى منتهاه خندقين وغرسوا بجانبه أشجارًا وسيسبانًا وأحدثوا طريقًا أخرى فيما بين باب الحديد وباب العدوى عند المكان المعروف بالشيخ شعيب حيث معمل الفواخير وردموا جسرًا ممتدًا ممهدًا مستطيلًا يبتدي من الحد المذكور وينتهي الى جهة المذبح خارج الحسينية وأزالوا ما يتخلل بين ذلك من الأبنية والغيطان والأشجار والتلول وقطعوا جانبًا كبيرًا من التل الكبير المجاور لنقطرة الحاجب وردموا في طريقهم قطعة من خليج بركة الرطلي وقطعوا أشجار بستان كاتب البهار المقابل لجسر بركة الرطلي وأشجار الجسر أيضًا والأبنية التي بين باب الحديد والرحبة التي بظاهر جامع المقس وساروا على المنخفض بحيث صارت طريقًا ممتدة من الأزبكية الى جهة قبة النصر المعروفة بقبة العزب جهة العادلية على خط مستقيم من الجهتين‏.‏
وقيدوا بذلك أنفارًا منهم يتعاهدون تلك الطرق ويصلحون ما يخرج منها عن قالب الاعتدال بكثرة الدوس وحوافر الخيول والبغال والحمير وفعلوا هذا الشغل الكبير والفعل العظيم في أقرب زمن ولم يسخروا أحدًا في العمل بل كانوا يعطون الرجال زيادة عن أجرتهم المعتادة ويصرفونهم من بعد الظهيرة ويستعينون في الأشغال وسرعة العمل بالآلات القريبة المأخذ السهلة التناول المساعدة في العمل وقلة الكلفة كانوا يجعلون بدل الغلقان والقصاع عربات صغيرة ويداها ممتدتان من خلف يملؤها الفاعل ترابًا أو طينًا أو أحجارًا من مقدمها بسهولة بحيث تسع مقدار خمسة غلقان ثم يقبض بيديه على خشبتيها المذكورتين ويدفعها أمامه فتجري على عجلتها بأدنى مساعدة الى محل العمل فيميلها بإحدى يديه ويفرغ ما فيها من غير تعب ولا مشقة وكذلك لهم فؤوس وقزم محكمة الصنعة متقنة الوضع وغالب الصناع من جنسهم ولا يقطعون الأحجار والأخشاب إلا بالطرق الهندسية على الزوايا القائمة والخطوط المستقيمة وجعلوا جامع الظاهر بيبرس خارج الحسينية قلعة ومنارته برجًا ووضعوا على أسواره مدافع وأسكنوا به جماعة من العسكر وبنوا في داخله عدة مساكن تسكنها العسكر المقيمة به وكان هذا الجامع معطل الشعائر من مدة طويلة وباع نظاره منه أنقاضًا وعمدًا كثيرة‏.‏
ومنها أنهم أحدثوا على التل المعروف بتل العقارب بالناصرية أبنية وكرانك وأبراجًا ووضعوا فيها عدة من آلات الحرب والعساكر المرابطين فيه وهدموا عدة دور من دور الأمراء وأخذوا أنقاضها ورخامها لأبنيتهم وأفردوا للمديرين والفلكيين وأهل المعرفة والعلوم الرياضية كالهندسة والهيئة والنقوشات والرسومات والمصورين والكتبة والحساب والمنشئين حارة الناصرية حيث الدرب الجديد وما به من البيوت مثل بيت قاسم بك ( الصورة المقابلة بيت قاسم بيك ) وأمير الحاج المعروف بأبي يوسف وبيت حسن كاشف جركس القديم والجديد الذي أنشأه وشيده وزخفره وصرف عليه أموالًا عظيمة من مظالم العبادة وعند تمام بياضه وفرشه حدثت هذه الحادثة ففر مع الفارين وتركه فيه جملة كبيرة من كتبهم وعليها خزان ومباشرون يحفظونها ويحضرونها للطلبة ومن يريد المراجعة فيراجعون فيها مرادهم فتجتمع الطلبة منهم كل يوم قبل الظهر بساعتين ويجلسون في فسحة المكان المقابلة لمخازن الكتب على كراسي منصوبة موازية لتختاة عريضة مستطيلة فيطلب من يريد المراجعة ما يشاء منها فيحضرها له الخازن فيتصفحون ويراجعون ويكتبون حتى أسافلهم من العساكر وإذا حضر إليهم بعض المسلمين ممن يريد الفرجة لا يمنعونه الدخول الى أعز أماكنهم ويتلقونه بالبشاشة والضحك وإظهار السرور بمجيئه إليهم وخصوصًا إذا رأوا فيه قابلية أو معرفة أو تطلعًا للنظر في المعارف بذلوا له مودتهم ومحبتهم ويحضرون له أنواع الكتب المطبوع بها والأقاليم والحيوانات والطيور والنباتات وتواريخ القدماء وسير الأمم وقصص الأنبياء بتصاويرهم وآياتهم ومعجزاتهم وحوادث أممهم مما يحير الأفكار ولقد ذهبت إليهم مرارًا وأطلعوني على ذلك‏.‏
صورة رسول الإســـــلام
فمن جملة ما رأيته كتاب كبير يشتمل على سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ومصورون به صورته الشريفة على قدر مبلغ علمهم واجتهادهم وهو قائم على قدميه ناظرًا الى السماء كالمرهب للخليقة وبيده اليمنى السيف وفي اليسرى الكتاب وحوله الصحابة رضي الله عنهم بأيديهم السيوف وفي صفحة أخرى صورة الخلفاء الراشدين وفي الأخرى صورة المعراج والبراق وهو صلى الله عليه وسلم راكب عليه من صخرة بيت المقدس وصورة بيت المقدس والحرم المكي والمدني وكذلك صورة الأئمة المجتهدين وبقية الخلفاء والسلاطين ومثال اسلامبول وما بها من المساجد العظام كأياصوفية وجامع السلطان محمد وهيئة المولد النبوي وجمعية أصناف الناس لذلك وكذلك السلطان سليمان وهيئة صلاة الجمعة فيه وأبي أيوب الأنصاري وهيئة صلاة الجنازة فيه وصور البلدان والسواحل والبحار والأهرام وبرابي الصعيد والصور والأشكال والأفلام المرسومة وما يختص بكل بلد من أجناس الحيوان والطيور والنبات والأعشاب وعلوم الطب والتشريح والهندسيات وجر الأثقال وكثير من الكتب الإسلامية مترجم بلغتهم ورأيت عندهم كتاب الشفاء للقاضي عياض ويعبرون عنه بقولهم شفاء شريف والبردة للبوصيري ويحفظون جملة من أبياتها وترجموها بلغتهم ورأيت بعضهم يحفظ سورًا من القرآن ولهم تطلع زائد للعلوم وأكثرها الرياضة ومعرفة اللغات واجتهاد كبير في معرفة اللغة والمنطق ويدأبون في ذلك الليل والنهار وعندهم كتب مفردة لأنواع اللغات وتصاريفهما واشتقاقاتها بحيث يسهل عليهم نقل ما يريدون من أي لغة كانت الى لغتهم في أقرب وقت


علوم الفلك

وعند توت الفلكي وتلامذته في مكانهم المختص بهم الآلات الفلكية الغريبة المتقنة الصنعة وآلات الارتفاعات البديعة العجيبة التركيب الغالية الثمن المصنوعة من الصفر المموه وهي تركب ببراريم مصنوعة محكمة كل آلة منها عدة قطع تركب مع بعضها البعض برباطات وبراريم لطيفة بحيث إذا ركبت صارت آلة كبيرة أخذت قدرًا من الفراغ وبها نظارات وثقوب ينفذ النظر منها الى المرئي وإذا انحل تركيبها وضعت في ظرف صغير‏.‏
وكذلك نظارات للنظر في الكواكب وأرصادها ومعرفة مقاديرها وأجرامها وارتفاعاتها واتصالاتها ومناظراتها وأنواع المنكابات والساعات التي تسير بثواني الدقائق الغريبة الشكل الغالية الثمن وغير ذلك


المصورون (يسجلون ما يروه )

وأفردوا لجماعة منها بيت ابراهيم كتخدا السناري وهم المصورون لكل شيء ومنهم اريجوا المصور وهو يصور صور الآدميين تصويرًا يظن من يراه أنه بارز في الفراغ بجسم يكاد ينطق حتى أنه صور صورة المشايخ كل واحد على حدته في دائرة وكذلك غيرهم من الأعيان وعلقوا ذلك في بعض مجالس صاري عسكر وآخر في مكان آخر يصور الحيوانات والحشرات وآخر يصور الأسماك والحيتان بأنواعها وأسمائها ويأخذون الحيوان أو الحوت الغريب الذي لا يوجد ببلادهم فيضعون جسمه بذاته في ماء مصنوع حافظ للجسم فيبقى على حالته وهيئته لا يتغير ولا يبلى ولو بقي زمنًا طويلًا‏.‏

معمل الكيمياء
وكذلك أفردوا أماكن للمهندسين وصناع الدقائق , وسكن الحكيم "رويا" ببيت ذى الفقار كتخدا بخوار ذلك , ووضع آلاته ومساحقه وأهوانه فى ناحية , وركب له تنانير وكوانين .... لتقطير المياة والأدهان , وإستخراج الأملاح وقدور عظيمة , وبرامات , وجعل له مكاناً أسفل وأعلى , وبها رفوف عليها القدور المملوءة بالتراكيب والمعاجين , والزجاجات المتنوعة , وبها كذلك عدة من الأطباء والجرايحية
صناعة الحكمة والطب الكيميائى


وأفردوا مكاناً فى بيت حسن الكاشف جركس لصناعة الحكمة والطب الكيميائى وبنوا فيه تنانير مهندمة , وألات تقطير عجيبة الوضع , وألات تصاعيد الأرواح , وتقاطير المياة وخلاصات المفردات , وأملاح الأرمدة المستخرجة من الأعشاب والنباتات , وإستخراج المياة الجلاءة والحلالة وحول المكان الداخل قوارير وأوان من الزجاج البلورى المختلف الأشكال والهيئات على الرفوف والسدلات , وبداخلها أنواع المستخرجات .
ومن أغرب ما رأيته فى هذا المكان , أن بعض المتقيدين لذلك أخذ زجاجة من الزجاجات الموضوع فيها بعض المياة المستخرجة , فصب منها شيئاً فى كأس , ثم صب عليها شيئاً من زجاجة أخرى , فعلا الماءان , وصعد منه دخان ملون , حتى أنقطع وجف ما فى الكأس , وصار حجراً أصفر , فقلبه على البرجات حجراً يابساً , أخذناه بأيدينا ونظرناه , ثم فعل ذلك بمياة أخرى فصارت حجراً أزرق , وبأخرى فجمد حجراً أحمر ياقوتياً - وأخذ مرة شيئاً قليلاً جداً من غبار أبيض , ووضعه على السندال وضربه بالمطرقة بلطف فخرج له صوت هائل كصوت القرابانة أنزعجنا منه , فضحكوا منا , وأخذ مرة زجاجة فارغة مستطيلة فى مقدار الشبر صفة الفم , فغمسها فى ماء قراح موضوع فى صندوق من الخشب , مصفح من الداخل بالرصاص وأدخل معها أخرى على غير هيئتها , وأنزلهما فى الماء وأصعدهما بحركة حبس الهواء فى أحدهما , وأتى آخر بفتيلة مشتعلة , وأبرز ذلك فم الزجاجة من الماء , وقرب الآخر الشعلة إليها فى الحال فخرج ما فيها من الهواء المحبوس وفرقع بصول هائل أيضاً .. وغير ذلك من الأمور الكثيرة , وبراهين حكمية تتولد من أجتماع العناصر وملاقاة الطبائع .
الكهرباء الإستاتيكية
ومثل الفلكة المستديرة التى يديرون بها الزجاجة , فيتولد من حركتها شرر يطير بملاقاة أدنى شئ ويظهر له صوت وطقطقة , وإذا مسك علاقتها شخص - ولو خيطاً لطيفاً متصلا بها - ولمس الزجاجة المتصلة بها ولمس آخر الزجاجة الدائرة , أو ما قرب منها بيده الأخرى , أرتج بدنه , وإرتعد جسمه , وطقطقت عظام أكتافه وسواعدة فى الحال برجة سريعة ومن لمس هذا اللامس أو شيئاً من من ثيابه , أو شيئاً متصلاً به .. حصل له ذلك , ولو كانوا ألفاً أو أكثر , ولهم فيه أمور وأحوال وتراكيب غريبة , ينتج منها نتائج لا تسعها عقول أمثالنا!
وأفردوا أيضاً مكاناً للنجارين وصناع الألات والأخشاب وطواحين الهواء والعربات واللوازم لهم فى أشغالهم وهندساتهم وأرباب صنائعهم
ومكان آخر للحدادين وبنوا فيه كوانين عظاماً , وعليها منافيخ كبار يخرج منها الهاواء متصلاً كثيراً بحيث يجذبه النافخ من أعلى بحركة لطيفة , وصنعوا السندانات والمطارق والعظام , لصناعات الألات من الحديد والمخارط , وركبوا المخارط عظيمة لخرط الفلوزات الحديد الضخمة , ولهم فلكات مثقلة يديرها الرجال للمعلم الخراط للحديد بالأقلام المتينة الجافية , وعليها حق صغير معلق مثقوب , وفيه ماء يقطر على محل الخرط لتبريد النارية الحادثة من الإصطكاك , وبأعلى هذه الأمكنة صناع الأمور الدقيقة , مثل , البراكارات , وألات الساعات , والألات الهندسية المتقنة ... وغير ذلك .
=================
أسباب الثورة
المؤرخ نيقولا الترك في مذكراته يؤكد ان من اسباب ثورة القاهرة ان المصريين كانوا يرون نساءهم وبناتهم مكشوفات الوجوه‏,‏ مملوكات من الأفرنج جهارا‏..‏ ماشيين معهن في الطريق نايمين قايمين في بيوتهم‏..‏ فكانوا يكادون يموتون من هذه المناظر‏,‏ وناهيك عن تلك الخمامير التي اشتهرت في كامل الاسواق جهارا‏,‏ حتي وفي بعض الجوامع ايضا‏..‏ هذه الرؤيا كانت تجعل المسلمين يتنفسون الصعداء ويطلبون الموت في كل ساعة‏.‏
وأما المؤرخ ج‏.‏ كريستوفر هيرولد فإنه يرجع اسباب الثورة الي تحريض الطبقة الغنية والوسطي‏,‏ لأنها اضيرت في تجارتها‏,‏ ولأنها كانت تتحمل اكبر قسط من الضرائب وهو يلاحظ أن هذه الطبقات ومشايخ الديوان ظلوا بعيدين عن الثورة ويوعز كذلك سببا آخر وهو تحريض بعض المشايخ الذين لم ينالوا الحظوة لدي الفرنسيين كما نالها غيرهم‏.‏
ويري البعض الآخر أن من اسباب الثورة تحريض ابراهيم بك الهارب للشام‏,‏ وتحريض الجزار والي عكا‏..‏ والرسائل التي كان يرسلها السلطان العثماني مع الرسل وكانت تتلي علي الناس في الجوامع والشوارع‏..‏ وكان يتوعد فيها الفرنسيين بهزيمة منكرة‏..‏ ويزف للأهالي بشري يقول فيها‏:‏
وستغطي مراكب عالية كالجبال سطح البحار وستصل مدافع تبرق وترعد وأبطال يزدرون بالموت في سبيل الله ليطاردوا الفرنسيين‏!

**************
المؤرخ العربي نيقولا الترك.‏ قال عن بداية الثورة يوم الأحد‏21‏ أكتوبر‏1798‏:‏
في ذات يوم نهار الاحد في عشرين ربيع آخر نزل أحد المشايخ الصغار وكان من مشايخ الازهر وبدأ ينادي في المدينة أن كل مؤمن موحد بالله عليه بجامع الازهر لأن اليوم ينبغي لنا أن نغازي فيه الكفار‏.‏
وقد بدأت أحداث الثورة في السادسة صباحا حين ردد المؤذنون من فوق المآذن نداءات الثورة وانطلق بعض الثوار في الشوارع يعلنون الثورة ويطالبون الناس بالتوجه للازهر الذي تحول الي مقر قيادة الثورة‏.‏
وبسرعة تكونت مجموعات مسلحة ببنادق عتيقة وبالعصي والسكاكين وأخذت تقيم المتاريس في الشوارع والحواري وتقف خلفها‏,‏ وبدأت تتقاطر الي القاهرة جموع شعبية من الضواحي القريبة لتشترك في الثورة‏,‏ وقد احس الفرنسيون بالخطر منذ الساعات الاولي للصباح وأبلغوا نابليون بذلك‏,‏ الا انه اعتقد انه عمل تافه غير خطير‏..‏ وتوجه ومعه بعض قواده لتفقد بعض التحصينات في الروضة ومصر القديمة‏,‏ وبدأت القوات الفرنسية في التجمع لمواجهة الخطر‏..‏
وفي نحو الساعة الثامنة بدأت اول أحداث الثورة العنيفة حين ذهب ديبوي القائد العسكري للقاهرة علي رأس عدد من الجنود لمواجهة الشغب الذي حدث‏,‏ فقتلته الجماهير الثائرة في الشوارع‏,‏ فكان بذلك اول من سقط من الفرنسيين‏,‏ وبدأت الاشتباكات العنيفة بين الطرفين‏,‏ وفي هذا الوقت أبلغ نابليون بما حدث فرجع سريعا‏.‏
بدأت مجموعات من الثوار تهاجم مراكز الفرنسيين وخصوصا مقر قيادتهم في الأزبكية‏..‏ ومهاجمة باقي المراكز والدوريات‏..‏ ونجح الثوار في احتلال القسم الأكبر من القاهرة وبدأ عدد القتلي من الطرفين يتزايد في الشوارع نتيجة المعارك الدامية‏.‏
وسقط اللواء سولكوفسكي ياور نابليون وعدد كبير من الجنود الفرنسيين‏,‏ وقاتل الثوار من وراء المتاريس ومن شرفات المنازل‏,‏ وأدت أبواب الحارات وظيفة السواتر‏.‏
وحاول نابليون وقف الثورة وأرسل مشايخ الديوان والعلماء الكبار ليطلبوا من الثوار وقف الثورة‏,‏ فرفضوا واتهموهم بأنهم صاروا أدوات في يد الفرنسيين‏,‏ واعلنوا تصميمهم علي مواصلة القتال‏.‏
وحين تأكد نابليون من فشل هذه المساعي بدأ يضع خطة القضاء علي الثورة‏,‏ فأرسل بقواته وطوقت القاهرة لتمنع المتطوعين القادمين من الاقاليم للاشتراك في الثورة‏,‏ وأصدر أوامره بوضع مدافع علي المقطم والتلال العالية لتعاون مدفعية القلعة في ضرب القاهرة بالقنابل كحل للقضاء علي الثورة بعد أن خسر الفرنسيون كثيرا في معارك الشوارع التي لم يألفوها من قبل‏,‏ وفي نفس الوقت كان الثوار يستعدون لليوم التالي من أيام الثورة‏.‏
بدأ يوم الاثنين‏22‏ أكتوبر باستئناف القتال في الشوارع وسقط المزيد من القتلي‏,‏ ولنا أن نتصور أي بسالة تلك التي كان الثوار يتمتعون بها حين كانوا يهاجمون بالنبابيت المدافع الفرنسية التي كانت تحصدهم حصدا‏,‏ ومع ذلك كانوا يهاجمون‏,‏ وعند الظهر بدأت المدفعية الثقيلة ومدافع الهاوتزر والمورتار تصب سيلا من قنابلها علي الأحياء الثائرة‏,‏ وبدأ الجنود الفرنسيون يتقدمون تحت ستارة من نيران المدفعية ليحتلوا أحياء الثورة شارعا شارعا‏..‏ واستمر ضرب المدفعية حتي المساء‏.




8 
LoVe My LiFe

أول ديوان خصوصى يحكم مصر يساعدة ديوان عمومى على النسق الأوربى

فى 2 رجب سنة 1213‏ هـ - 11 ديسمبر 1798 م قتلوا شخصاً من الأجناد يقال له مصطفى كاشف من جماعة حسين بيك المعروف بشفت , وكان فر مع الفارين , ثم رجع من غير أستئذان وأقام أياماً مستتراً ببيت الشيخ سليمان الفيومى , فسلمه لمصطفى أغا مستحفظان لياخذ له أماناً , فأخبرالفرنسيس بشانه , وأغراهم عليه .. فقطع رأسه , وطافوا بها ينادون عليها بقولهم : هذا جزاء من يدخل مصر بغير أذن الفرنسيين .

فى 5 رجب سنة 1213‏ هـ - 13 ديسمبر 1798 م حضر كبير الفرنسيس الذى بناحية قليوب وبصحبته سليمان الشواربى شيخ الناحية وكبيرها . فلما حضر حبسوه بالقلعة , وقيل أنهم عثروا له على مكتوب أرسله وقت الفتنة السابقة إلى سرياقوس لينهض أهل تلك النواحى فى القيام ويأمرهم بالحضور فى أى وقت أن يرى الغلبة على الفرنسيس , ولما حبسوه حبسوا معه أربعة من الأجناد أيضاً , وفيه : أحدثوا مزماراً يضربونه فى كل وقت , وقت الزوال , لأن ذلك الوقت عندهم إبتداء اليوم .
فى 10 رجب سنة 1213‏ هـ - 18 ديسمبر 1798 م نادوا فى الأسواق بأنه من أراد أن يشترى فرساً أو حماراً فليحضر يوم الجمعة 13 من رجب - 31 ديسمبر 1798 م ببولاق ويشترى من الفقرنساوية ما أحب من ذلك , وكتبوا أوراقاً وألصقوها بالأسواق والأزقة وهى مطبوعة عليها الصورة ونصها كالتالى :
" فليكن معلوماً عند كافة الرعايا المصرية , أن فى يوم الجمعة 13 رجب الساعة 2 يباع فى بولاق جملة خيل من المشيخة الفرنساوية , فلأجل هذا المشترى , كل من أراد أن يقتنى خيلاً منحنا له الأجازه أنه يقتنى كما يريد ويشاء . "

أول ديوان خصوصى يحكم مصر يساعدة ديوان عمومى على النسق الأوربى
16 رجب سنة 1213‏ هـ - 24 ديسمبر 1798 م سافر صارى عسكر بونابرته إلى السويس وأخذ صحبته السيد أحمد المحروقى وإبراهيم أفندى كاتب البهار وأخذ معه أيضاً بعض المديرين والمهندسين والمصورين وجرجس الجوهرى ,انطون أبو طاقية , وغيرهم وعدة كثيرة من عساكر الخيالة والمشاة وبعض المدافع وعربات وتختروان وعدة جمال لحمل الذخيرة والماء والقومانية .
وفيه : شرعوا فى ترتيب الديوان على تنظيم آخر , وعينوا له ستين نفراً منهم : 14 يقال لهم خصوص - وهم الذين يحضرون دائماً ويقال لهم " الديوان الخصوصى أو الديوان الديمومى " والباقى بحسب الإقتضاء والأربعة عشر هم : من المشايخ / الشرقاوى , والمهدى , والصاوى , والبكرى , والفيومى .. ومن التجار / المحروقى , وأحمد محرم .. ومن النصارى القبط / لطف الله المصرى .. ومن الشوام / يوسف فرحات , وميخائيل كحيل , ورواحة الإنكليزى , وبدنى , وموسى كافر الفرنساوى .. ومعهم وكلاء ومباشرون من الفرنسيس ومترجمون .. أما المجلس العمومى فهم من مشايخ الحرف .
وكتبوا بذلك طومبار كبيراً بصموا منه (أى نسخة طبق الأصل) نسخاً كثيرة , وأرسلوا منه نسخاً كثيرة للأعيان , وألصقوا منها بالأسواق على العادة , وأرسلوا للذين عينوا بالديوان أوراقاً بأسمائهم شبه التقارير , وصورة صدر ذلك الطومار المكتتب فى شأن ذلك .
وقد أوردت ذلك - وإن كان فيه بعض الطول , للأطلاع علي ما فيه من التمويهات على العقول , والتملق على دعوى الخواص من البشر .. بفاسد التخيلات التى تنادى على بطلانها بديهة العقل , فضلاً عن النظر , وهى مقولة على لسان بونابرته كبير الفرنسيس ونصة :
بسم الله الرحمن الرحيم
من أمير الجيوش الفرنساوية , خطاباً إلى كافة أهل مصر , الخاص والعام :
لعلمكم أن بعض الناس الضالين العقول , الخالين من المعرفة وإدراك العواقب , سابقاً أوقعوا الفتنة والشرور بين القاطنين بمصر , فأهلكهم الله بسبب فعلهم ونيتهم القبيحة , والبارئ سبحانه وتعالى , أمرنى بالشفقة والرحمة على العباد , فإمتثلت لأمره , وصرت رحيماً بكم , شفوقاً عليكم ولكن كان حصل عندى غيظ وغم شديد بحسب تحريك هذه الفتنة بينكم ... ولأجل ذلك عطلت الديوان الذى كنت رتبته لنظام البلد , وصلاح أحوالكم من مدة شهرين , والآن توجه خاطرنا فى ترتيب الديوان كما كان , لأن حسن أحوالكم ومعاملتكم فى المدة المذكورة , أنسانا الذنوب الأشرار وأهل الفتنة التى وقعت سابقاً .
" أيها العلماء والأشراف , أعلموا أمتكم ومعاشر رعيتكم , بأن الذى يعادينىة ويخاصمنى لإنما خصامه من ضلال عقله , وفساد فكره , فلا يجد ملجأ ولا مخلصاً ينجيه منى فى هذا العالم , ولا ينجو من بين يدى الله ! لمعارضته لمقادير الله سبحانه وتعالى , والعاقل يعرف ما فعلناه بتقدير الله تعالى , وإرادته وقضائه ! ومن يشك فى ذلك فهو أحمق وأعمى البصيرة .
وأعلموا أيضاً أن الله قدر فى الأزل هلاك أعداء الإسلام وتكسير الصلبان على يدى , وقدر فى الأزل أنى أجئ من المغرب إلى أرض مصر لهلاك الذين ظلموا فيها , ولإجراء الأمر الذى أمرت به , ولا يشك عاقل أن هذا كله بتقدير الله وإرادته وقضاءه . !
وأعلموا أمتكم أن القرآن العظيم صرح فى آيات كثيرة بوقوع الذى حصل ! وأشار فى آيات أخرى إلى أمور تقع فى المستقبل , وكلام الله صدق وحق , لا يتخلف , إذا تقرر هذا , وثبتت هذه المقالات فى أذهانكم ...
فلترجع أمتكم جميعاً إلى صفاء النية , وإخلاص الطوية .. فإن منهم من يمتنع عن الغى وإظهار عداوته , خوفاً من سلاحى وشدة سطوتى , ولم يعلموا أن الله مطلع على السرائر , يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور , والذى يفعل ذلك يكون معارضاً لأحكام الله , ومنافقاً , وعليه اللعنة والنقمة من الله علام الغيوب ! .
وأعلموا أيضاً أنى أقدر على إظهار ما فى نفس كل واحد منكم ! لأنى أعرف احوال الشخص وما أنطوى عليه , بمجرد ما أراه , وإن كنت لا أتكلم ولا أنطق بالذى عنده ! ولكن يأتى وقت ويوم يظهر لى بالمعاينة أن كل ما فعلته وحكمت به ... فهو حكم إلهى لا يرد , وأن إجتهاد الإنسان غاية جهده , وما يمنعه عن قضاء الله الذى قدره وأجراه على يدى .
فطوبى للذين يسارعون فى أتحادهم وهمتهم , مع صفاء النية وإخلاص السريرة والسلام ! . نابليون بونابرت
وفيه : رتبوا الديوان الديمومى شهرية تدفع إليهم نظير تقيدهم بمصالح العامة والدعاوى , وما يترتب عليه النظام بينهم وبين المسلمين .
18 منه سنة 1213‏ هـ - 1 يناير 1799 م طافوا على الطواحين وأختاروا من كل طاحون فرساً أخذوها .
الفرنسيين ينتشلون مركب غارقة 24 منه سنة 1213‏ هـ - 1 يناير 1799 م حضر السيد المحروقى وكاتب البهار من السويس , وكان صارى العسكر ذهب إلى ناحية بلبيس , فإستأذنوه فى الذهاب إلى ناحية مصر فأذن لهم , وأرسل معهم خمسين عسكرياً ليوصلوهم إلى مصر .
فلما حضروا حكوا أن أهل السويس لما بلغهم مجئ الفرنساوية , هربوا وأخلوا البلدة , فذهبوا إلى الطور , وذهب البعض إلى عرب البادية , فنهب الفرنسيين ما وجدوه بالبندر من البن والمتاجر والأمتعة وغير ذلك , وهدموا الدور وكسروا ألخشاب وخوابئ الماء , فلما حضر كبيرهم - وكان وصل متأخراً عنهم _ كلمه التجار الذاهبون معه وأعلموه أن هذا الفعل غير صالح , فإسترد من العسكر بعض الذى كانوا قد أخذوه , ووعدهم بإسترجاع الباقى , أو دفع ثمنه بمصر , وأن يكتبوا قائمة بالمنهوبات .
ثم انه وجد مركبين حضرا إلى قريب من السويس بهما بن ومتاجر , فغرقت غحداهما , فنزلت طائفة من الفرنسيين فى مراكب صغار , وذهبوا إليها فى الغاطس , وأخرجوها يألات ركبوها وأصطنعوها من علم جر الأثقال . وفى مدة إقامته بالسويس , صار يركب ويتأمل فى النواحى , وجهات ساحل البحر والبر ليلاً ونهاراً وكان معه من الأدم فى هذه السفرة ثلاثة طيور دجاج محمرة ملفوفة فى ورق , وليس معه طباخ ولا فراش ولا خيمة , وكل شخص من عسكرة معه رغيف كبير مرشوق فى طرف حربته , يتزود منه ويشرب من سقاء لطيف من صفيح معلق فى عنقة (زمزمية)
28 منه سنة 1213‏ هـ - 5 يناير 1799 م حضر عدة من العسكر الفرنساوية من ناحية بلبيس , ومعهم عدد من العربان نحو ثلاثين نفراً موثقين بالحبال , وأسروا أيضاً عدداً من أولادهم ذكوراً وأناثاً , ودخلوا بهم إلى مصر يزفونهم بالطبول امامهم , ومعهم أيضاً ثلاثة حمول من حمول من حمول التجار , وبعض الجمال , وبعض جمال مما كان نهب منهم عند رجوعهم من الحج

غايته سنة 1213‏ هـ - 7 يناير 1799 م حضر صارى العسكر من ناحية بلبيس إلى مصر ليلاً وأحضر معه عدة عربان وعبد الرحمن أباظة أخا سليمان أباظة شيخ العبابدة وخلافة ... رهائن , وضربوا " ابا زعبل " و " المنير " وأخذوا مواشيهم وحضروا بهم إلى القاهرة , وخلفهم أصحابهم رجالاً ونساءاً وصغاراً .

وفى ذلك اليوم قتلوا شيخ العرب سليمان الشواربى - شيخ قليوب - ومعه أيضاً ثلاثة رجال يقال لهم عرب الشرقية , وأنزلوهم من القلعة إلى الرميلة على يد الأغا وقطعوا رؤوسهم وحملوا جثة الشواربى مع رأسه فى تابوت , وأخذه أتباعه فى بلدة قليوب ليدفن هناك عند أسلافه .
وأنقضى هذا الشهر وحوادثه الجزئية والكلية .. منها : أن فى ليلة 27 منه أتت جماعة إلى دار الشيخ محمد بن الجوهرى , والكائن بالأزبكية بالقرب من باب الهواء , فخلعوا الشباك المطل على البركة , ودخلوا منه وصعدوا إلى أعلى الدار - وكان بها ثلاث من النساء الخدمات وأبنه خدامة أيضاً وبواب الدار , ولم يكن رب الدار بها ولا الحريم , بل كانوا قد أنتقلوا إلى دار أخرى لما سكن معظم العسكر بالأزبكية - فإستيقظ النساء وصرخن , فضربوهن , وقتلوا منهن أمرأة , وأختفت البنت فى جهة , وعاثوا فى الدار , وأخذوا متاعاً ومصاغاً ونزلوا , وأستيقظ البواب فإختفى خوفاً منهم .
فلما طلع النهار وشاع الخبر - وكان صارى العسكر غائباً - فلم يقع كلام فى شأن ذلك , فلما قدم من سفره ركب مشايخ الديوان وأخبروه , فإغتم لذلك , وأظهر الغيظ , وذم الفاعل لما فيه من العار الذى يلحقة , وإهتم فى الفحص عمن فعل ذلك وقتله .
ومنها كثرة التعدى القلقلات , وتشديدهم على وقود القناديل بالأزقة , وهم من أهل البلد , وإذا مروا بالليل ووجدوا قنديلاً أطفأة الهواء , أو فرغ زيته , سمروا الحانوت أو الدار التى هو عليها ولا يقلعون المسمار حتى يصالحهم صاحبها على ما أحبوه من دراهمن , وربما تعمدوا كسر القناديل لأجل ذلك .
وأتفق أن المطر أطفأ عدة قناديل بسوق أمير الجيوش , بسبب كونها فى ظروف من ورق والجريد , فإبتل الورق , وسال الماء فأطفأ القناديل , فسمروا حوانيت السوق , وأصبح أهلها فصالحوا عليها , ووقع ذلك فى طرق عديدة , فجمعوا فى ذلك اليوم جملة من الدراهم , وأمثال ذلك حتى فى الأزقة والعطف الغير النافذة .. حتى كان الناس ليس لهم شغل إلا القناديل وتفقد أحوالها خصوصاً فى ليل الشتاء الطويل .


فى أول شعبان سنة 1213‏ هـ - 8 يناير 1799 م قتلوا ثلاثة أنفار من الفرنسيين وبندقوا عليهم بالرصاص بالميدان تحت القلعة قيل أنهم من المتسلقين على الدور .

وفيه : أخبر السفار بأن مراد بيك ومنمعه ترفعوا إلى قبلى ووصلوا إلى عقبة الهواء , وكلما قرب منهم العسكر أنتقلوا وقبلوا وقد داخلهم من الفرنساوية خوف شديد ولم يقع بينهم ملاقاة ولا قتال .
وفيه : قدمت رباعة تحمل البن الذى حضر من السويس بالمركب الداو بصحبة جماعة من الفرنساوية لخفارتها من قطاع الطريق .
كيف أبتدع المسلمين مولد الحسين
يوم الأحد 6 شعبان سنة 1213‏ هـ - 13 يناير 1799 م نادى القبطان الفرنساوي السكاكن بالمهشد الحسيني
على أهل تلك الخطة وما جاورها بفتح الحوانيت والأسواق لأجل مولد الحسين وشدد في ذلك ووعد من أغلق حانوته بتسميره وتغريمه عشرة ريال فرانسة مكافأة له على ذلك وكان السبب في ذلك والأصل فيه أن هذا المولد ابتدعه السيد بدوي بن فتيح مباشر وقف المشهد فكان قد اعتراه مرض الحب الإفرنجي فنذر على نفسه هذا المولد إن شفاه الله تعالى فحصلت له بعض إفاقة فابتدأ به وأوقد في المسجد والقبة قناديل وبعض شموع ورتب فقهاء يقرأون القرآن بالنهار مدارسة وآخرين بالمسجد يقرأون بالليل دلائل الخيرات للجزولي ثم زاد الحال وانضم إليهم كثير من أهل البدع كجماعة العفيفي والسمان والعربي والعيسوية فمنهم من يتحلق ويذكر الجلالة ويحرفها وينشد له المنشدون القصائد والموالات ومنهم من يقول أبياتًا من بردة المديح للبوصيري ويجاوبهم آخرون مقابلون لهم بصيغة صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وأما العيسوية فهم جماعة من المغاربة وما دخل فيهم من أهل الأهواء ينسبون الى شيخ من أهل المغرب يقال له سيدي محمد بن عيسى وطريقتهم أنهم يجلسون قبالة بعضهم صفين ويقولون كلامًا معوجًا بلغتهم بنغم وطريقة مشوا عليها وبين أيديهم طبول ودفوف يضربون عليها على قدر النغم ضربًا شديدًا مع ارتفاع أصواتهم وتقف جماعة أخرى قبالة الذين يضربون بالدفوف فيضعون أكتافهم في أكتاف بعض لا يخرج واحد عن الآخر ويلتوون وينتصبون ويرتفعون وينخفضون ويضربون الأرض بأرجلهم كل ذلك مع الحركة العنيفة والقوة الزائدة بحيث لا يقوم هذا المقام إلا كل من عرف بالقوة وهذه الحركات والإيقاعات على نمط الضرب بالدفوف فيقع بالمسجد دوي عظيم وضجات من هؤلاء ومن غيرهم من جماعة الفقراء كل أحد له طريقة وكيفية تباين الأخرى هذا مع ما ينضم الى ذلك من جمع العوام وتحلقهم بالمسجد للحديث والهذيان وكثرة اللغط والحكايات والأضاحيك والتلفت الى حسبان الغلمان الذين يحضرون للتفرج والسعي خلفهم والافتتان بهم ورمي قشور اللب والمكسرات والمأكولات في المسجد وطواف الباعة بالمأكولات على الناس فيه وسقاة الماء فيصير المسجد بما اجتمع فيه من هذه القاذورات والعفوش ملتحقًا بالأسواق الممتهنة ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم‏.‏
ثم زاد الحال على ذلك بقدوم جماعة الأشاير من الحارات البعيدة والقريبة وبين أيديهم مناور القناديل والجوامع العظيمة التي تحملها الرجال والشموع والطبول والزمور ويتكلمون بكلام محرف يظنون أنه ذكر وتوسلات يثابون عليها وينسبون من يلومهم أو يعترضهم الى الاعتزال والخروج والزندقة وغالبهم السوقة وأهل الحرف السافلة ومن لا يملك قوت ليلته فتجد أحدهم يجتهد بقوة سعيه ويبيع متاعه أو يستدين الجملة من الدراهم ويصرفها في وقود القناديل وأجرة الطبالة والزمارة وكل يجتمع عليه ما هو من أمثاله من الحرافيش ثم يقطع ليلته تلك سهرانًا ويصبح دايخًا كسلانًا ويظن أنه بات يتعبد ويذكر ويتهجد واستمر هذا المولد أكثر من عشر سنين ولم يزدد الناذر لذلك إلا مرضًا ومقتًا واستجلب خدمة الضريح ما لاح لهم من خساف العقول مثل الشمع والدراهم واتخذوا ذلك حبالة لأكل أموال الناس بالباطل فلما حصلت هذه الحادثة بمصر ترك هذا المولد في جملة المتروكات ثم حصلت الفتنة التي حصلت وسكن هذا الفرنساوي في خط المشهد الحسيني لضبط تلك الجهة وفيه مسايرة ومداهنة فصار يظهر المحبة للمسلمين ويلاطفهم ويدخل بيوت الجيران ويقبل شفاعة المتشفعين ويجل الفقهاء ويعظمهم ويكرمهم وأبطل وقوف عسكره بالسلاح كعادتهم في غير هذه الجهة وكذلك منع ما يفعله القلقات من أنواع التشديد على الناس في مثل القناديل فاطمأن به أهل الخطة وتراجعوا للبكور الى الصلاة في المساجد بعد تخوفهم من العسكر الذي رتب معهم وتركهم التكبير فلما أنسوا به وعرفوا أخلاقه رجعوا لعادتهم ومشوا بالليل أيضًا بدون فزع وخوف وترجمانه على مثل طريقته وهو رجل شريف من أهل حلب كان أسيرًا بمالطة فاستخلصه الفرنسيس من جملة ما استخلصوه من أسرى مالطة وقدم معهم مصر فلما أجلس هذا الضابط الخط كان ترجمانه يهوديًا فاحتال بعض أعيان الجهة ورتب هذا الشريف المذكور ليكون فيه راحة للناس ففتح له قهوة بالخط بالقرب من دار مخدومه وجمع الناس للجلوس فيها والسهر حصة من الليل وأمرهم بعدم غلق الحوانيت مقدارًا من الليل كعادتهم القديمة فاستأنسوا بالاجتماعات والتسلي والخلاعات وعم ذلك جهات تلك الخطة ووافق ذلك هوى العامة لأن أكثرهم مطبوع على المجون والخلاعة وتلك هي طبيعة الفرنساوية فصاروا يجتمعون عنده للسمر والحديث واللعب والممازحة ويحضر معهم ذلك الضابط ومعه زوجته وهي من أولاد البلد المخلوعين أيضًا فانساق الحديث لذكر هذا المولد الشهري وما يقع في لياليه من الجمعيات والمهرجان وحسنوا له إعادته فوافقهم على ذلك وأمر بالمناداة وفتح الحوانيت ووقود القناديل وشدد في ذلك‏.‏
وفي يوم الأربعاء 9 شعبان سنة 1213‏ هـ - 16 يناير 1799 م كتبوا أوراقًا بتطيير طيارة ببركة الأزبكية مثل التي سبق ذكرها وفسدت‏.‏
فاجتمعت الناس لذلك وقت الظهر وطيروها وصعدت الى الأعلى ومرت الى أن وصلت تلال البرقية وسقطت ولو ساعدها الريح وغابت عن الأعين لتمت الحيلة وقالوا إنها سافرت الى البلاد البعيدة بزعمهم‏.‏
وفيه سافر الخواجة مجلون الى الصعيد واليًا على جرجا لتحرير البلاد وقبض الأموال والغلال المتأخرة بالنواحي للغز‏.‏ وفيه سافرت قافلة بها أحمال كثيرة ومواش ونساء إفرنجيات وصناديق قيل إنهم أرسلوها الى الطور وصحبتهم عدة من العسكر‏.‏
وفي يوم الخميس 10 شعبان سنة 1213‏ هـ - 17 يناير 1799 م حضر طائفة من العسكر الفرنساوي الى وكالة ذي الفقار بالجمالية ففتحوا طبقة كانت لكتخدا علي باشا الطرابلسي وأخذوا ما وجدوه بها من الأمتعة وختموا عدة حواصل وطباق بذلك الخان وبالوكالة الجديدة وغيرها للمسافرين والهاربين والقليونجية‏.‏
وضبطوا ما بها وقبضوا على جماعة من الأتراك والقليونجية التجار وسجنوهم بالقلعة وصاروا يفتشون على من بقي منهم بالقاهرة وبولاق خصوصًا الكرتلية الذين كانوا عسكرًا لمراد بك وأخذوا الكثير من نصارى الأروام والقليونجية الذين كانوا مع مراد بك وبعضهم كان بمصر فأدخلوهم في عسكرهم وزيوهم بزيهم وأعطوهم أسلحة وانتظموا في سلكهم‏.‏
وفيه تواترت الأخبار أن علي باشا ونصوح باشا فارقا مراد بك وذهبا من خلف الجبل على وفيه نادوا بإبطال القناديل التي توقد في الليل على البيوت والدكاكين وأن يوقدوا عوضها في وسط السوق مجامع في كل مجمع أربع قناديل بين كل مجمع ثلاثون ذراعًا ويقوم بذلك الأغنياء دون الفقراء ولا علاقة للقلقات في ذلك ففرح بذلك فقراء الناس وانفرجت عنهم هذه الكربة‏.‏
وفيه نادوا أيضًا أن كل من كان له دعوى شرعية أو ظلامة فليذهب الى العلماء والقاضي‏.‏
وفيه ذهب طائفة من العسكر وضربوا عرب الكوامل ورجعوا بمنهوباتهم من الغنم والمعز والدجاج والاوز والحمير وغير ذلك‏.‏
وفيه حضر رجل من ناحية غزة يطلب أمانًا للست فاطمة زوجة مراد بك ولابنة المرحوم محمد أفندي البكري وزوجها الأمير ذي الفقار وخشداشينه والخطاب للشيخ خليل البكري‏.‏
فعرض ذلك على ساري عسكر وترجى عنده فكتب له أمانًا بحضورهم وأرسل لهم نفقة وكان ذلك حيلة منهم لتأتيهم النفقة وبعض الاحتياجات وأخبر ذلك الرسول أن عبد الله باشا ابن العظم بغزة وابراهيم بك ومن معه خارج البلد وهم في ضيق وحصر وحيز عنهم داخل البلد‏.‏
وفيه ذهب عدة من العسكر الفرنساوية الى قطيا وشرعوا في بناء أبنية هناك وأشيع سفر ساري عسكر الى جهة الشام والإغارة عليها‏.‏
وفي ليلة الأحد 13 رجب سنة 1213‏ هـ - 20 ديسمبر 1798 م كان انتقال الشمس لبرج الدلو وهو أول شهر من شهورهم وعملوا وفي يوم الاثنين رابع عشره نادى المحتسب على اللحم الضاني بسبعة أنصاف الرطل وكان بثمانية واللحم الجاموسي بخمسة وكان بستة‏.‏
وفيه ذهب طائفة من العسكر وضربوا عرب العيايدة نواحي الخانكة وقتلوا منهم طائفة ونهبوهم ووجدوا من منهوبات الناس وأمتعة عسكر الفرنساوية وأوسلحتهم جملة فأخذوا ذلك مع ما أخذوه وأحضروا معهم بعض رجال ونساء حبسوهم بالقلعة وفيه ذهب عدة من العسكر الى صنافير واجهور الورد وقرنفيل وكفر منصور وبلاد أخرى للتفتيش على العرب فأخذوا ما وجدوه للعرب من بهائم وغيرها والذي عصى عليهم ضربوه ونهبوه أيضًا ونهبوا جمالًا وبهائم ممن لم يعص أيضًا ودخلوا بذلك المدينة فصاروا يبيعون البقرة بريالين وثلاثة والنعجة وابنها بريال فاشترى غالب ذلك نصارى القبط‏.‏
وفي يوم السبت 19 رجب سنة 1213‏ هـ - 26 ديسمبر 1798 م قتلوا بالقلعة نحو التسعين نفرًا وغالبهم من المماليك الذين وجدوهم هاربين في البلاد والذين عس عليهم الخبيث الآغا وبرطلمين والقلقات ووجدوهم مختفين في البيوت‏.‏
وفيه قبضوا على خمسة أنفار من اليهود وامرأتين فألقوا الجميع في بحر النيل وفيه نادوا بأن كل من اشترى شيئًا من منهوبات العرب التي نهبتها العسكر يحضره لبيت صاري عسكر‏.‏
وفيه كثر الاهتمام والحركة بسفر الفرنسيس الى جهة الشام وطلبوا وهيؤوا جملة من الهجن وأحضروا جمال عرب الترابين ليحملوا عليها الذخيرة والدقيق والعليق والبقسماط ثم رسموا على الأهالي عدة كبيرة من الحمير وكذلك عدة من البغال فطلب شيخ الحمارة وأمر بجمع ذلك وكذلك الركبدارية أمرهم بجمع البغال فاختفى غالب أصحاب الحمير وخاف الناس على حميرهم فامتنع خروج السائقين الذين ينقلون الماء بالقرب على الحمير وسقائين الجمال والبراسمية فحصل للناس ضيق بسبب ذلك‏.‏
وفي يوم الاثنين 21 رجب سنة 1213‏ هـ - 28 ديسمبر 1798 م كتبوا أوراقًا ولصقوها بالأسواق على العادة ونصها‏:‏ الحمد لله وحده هذا خطاب الى جميع أهل مصر من خاص وعام من محفل الديوان الخصوصي من عقلاء الأنام علماء الإسلام والوجاقات والتجار الفخام نعلمكم معاشر أهل مصر أن حضرة ساري عسكر الكبير بونابارته أمير الجيوش الفرنساوية صفح الصفح الكلي عن كامل الناس والرعية بسبب ما حصل من أراذل أهل البلد والجعيدية من الفتنة والشر مع العساكر الفرنساوية وعفا عفوًا شاملًا وأعاد الديوان الخصوصي في بيت قائد آغا بالأزبكية ورتبه من أربعة عشر شخصًا أصحاب معرفة وإتقان خرجوا بالقرعة من ستين رجلًا كان انتخبهم بموجب فرمان وذلك لأجل قضايا حوايج الرعايا وحصول الراحة لأهل مصر من خاص وعام وتنظيمها على أكمل نظام وإحكام كل ذلك من كمال عقله وحسن تدبيره ومزيد حبه بمصر وشفقته على سكانها من صغير القوم قبل كبيره رتبهم بالمنزل المذكور كل يوم لأجل خلاص المظلوم من الظالم وقد اقتص من عسكره الذين أساؤوا بمنزل الشيخ محمد الجوهري وقتل منهم اثنين بقراميدان وأنزل طائفة منهم عن مقامهم العالي الى أدنى مقام لأن الخيانة ليست من عادة الفرنسيس خصوصًا مع النساء الأرامل فإن ذلك قبيح عندهم لا يفعله إلا كل خسيس ووضع القبض بالقلعة على رجل نصراني مكاس لأنه بلغه أنه زاد المظالم في الجمرك بمصر القديمة على الناس ففعل ذلك بحسن تدبيره ليمتنع غيره من الظلم ومراده رفع الظلم عن كامل الخلق ويفتح الخليج الموصل من بحر النيل الى بحر السويس لتخف أجرة الحمل من مصر الى قطر الحجاز الأفخم وتحفظ البضائع من اللصوص وقطاع الطريق وتكثر عليهم أسباب التجارة من الهند واليمن وكل فج عميق فاشتغلوا بأمر دينكم وأسباب دنياكم واتركوا الفتنة والشرور ولا تطيعوا شيطانكم وهواكم وعليكم بالرضا بقضاء الله وحسن الاستقامة لأجل خلاصكم من أسباب العطب والوقوع في الندامة رزقنا الله وإياكم التوفيق والتسليم ومن كانت له حاجة فليأت الى الديوان بقلب سليم إلا من كان له دعوى شرعية فليتوجه الى قاضي العسكر المتولي بمصر المحمية بخط السكرية والسلام عن أفضل الرسل على الدوام‏.‏
وفيه أرسلوا الوالي لينبه على السقائين بنقل الماء وعدم التعرض لهم ولحميرهم‏.‏ وفي
ليلة الأربعاء ثالث عشرينه خرج عدة كبيرة من العسكر
وطلب كبير الفرنساوية بونابارته أن يأخذ معه مصطفى بك كتخدا الباشا المتولي أمير الحاج ويأخذ أيضًا قاضي العسكر بجمقشي زاده وأربعة أنفار من المتعممين وهم الفيومي والصاوي والعريشي والدواخلي وجماعة أيضًا من التجار والوجاقلية ونصارى القبط والشوام‏.‏
وفي يوم السبت 26 رجب سنة 1213‏ هـ - 2 نوفمبر 1798 م نادوا للناس بالأمان وفتح الأسواق ليلًا في رمضان حكم المعتاد‏.‏
وفيه انتقل قائمقام من بيته المطل على بركة الفيل وهو بيت ابراهيم بك الوالي وسكن بيت أيوب بك الكبير المطل على بركة الفيل وانتقلوا جميعهم الى بركة الأزبكية‏.‏
وفيه أعرض حسن آغا محرم المحتسب لساري عسكر أمر ركوبه المعتاد لإثبات هلال رمضان فرسم له بذلك على العادة القديمة فاحتفل لذلك المحتسب احتفالًا زائدًا وعمل وليمة عظيمة في بيته أربعة أيام أولها السبت وآخرها الثلاثاء دعا في أول يوم العلماء والفقهاء والمشايخ والوجاقلية وغيرهم وفي ثاني يوم التجار والأعيان وكذلك ثالث يوم ورابع يوم دعا أيضًا أكابر الفرنساوية وأصاغرهم وركب يوم الثلاثاء بالأبهة الكاملة زيادة عن العادة وأمامه مشايخ الحرف بطبولهم وزمورهم وشق القاهرة على الرسم المعتاد ومر على قائمقام وأمير الحاج وساري عسكر بونابارته ثم رجع بعد الغروب الى بيت القاضي بين القصرين فأثبتوا هلال رمضان ليلة الأربعاء ثم ركب من هناك بالموكب وأمامه المشاعل الكثيرة والطبول والزمور والنقاقير والمناداة بالصوم وخلفه عدة خيالة عارية رؤوسهم وشعورهم مرخية على أقفيتهم بشكل بشيع مهول وانقضى شهر شعبان وحوادثه‏.‏
فمنها أن أهل مصر جروا على عادتهم في بدعهم التي كانوا عليها وانكمشوا عن بعضها واحتشموها خوفًا من الفرنسيس فلما تدرجوا فيها وأطلق لهم الفرنساوية القيد ورخصوا لهم وسايروهم رجعوا إليها وانهمكوا في عمل مواليد الأضرحة التي يرون فرضيتها وأنها قربة تنجيهم بزعمهم من المهالك وتقربهم الى الله زلفى في المسالك فرمحوا في غفلاتهم مع ما هم فيه من الأسر وكساد غالب البضائع وغلوها وانقطاع الأخبار ومنع الجالب ووقوف الانكليز في البحر وشدة حجزهم على الصادر والوارد حتى غلت أسعار جميع الأصناف المجلوبة من البحر الرومي وانقطع أثر كثير من أرباب الصنائع التي كسدت لعدم طلابها واحتاجوا الى التكسب بالحرف الدنيئة كبيع الفطير وقلي السمك وطبخ الأطعمة والمأكولات والأكل في الدكاكين وإحداث عدة قهاوي وأما أرباب الحرف الدنيئة الكاسدة فأكثرهم عمل حمارًا مكاريًا حتى صارت الأزقة خصوصًا جهات العسكر مزدحمة بالحمير التي تكرى للتردد في شوارع مصر فإن للفرنسيس بذلك عناية عظيمة ومغالاة في الأجرة بحيث أن الكثير منهم يظل طول النهار فوق ظهر الحمار بدون حاجة سوى أن يجري به مسرعًا في الشارع وكذلك تجتمع الباعة منهم ويركبون الحمير ويجهدونها في المشي والإسراع وهم يغنون ويضحكون ويصيحون ويتمسخرون ويشاركهم المكارية في ذلك


كما أن لهم العناية وبذل الأموال والتردد الى حانات الراح والتغالي في شراء الفواكه والبوأطي والأقداح كما قال فى ذلك صاحبنا الشيخ حسن العطار :‏

أن الفرنسيس قد ضاعت دراهمهم ... ... فى مصرنا بين حمار وخمار

وعن قريب لهم فى الشام مهلكة ... ... يضيع لهم فيها آجال وأعمار ‏
ومن طبعهم في الشرب أنهم يتعاطون لحد النشوة وترويح النفس فإن زادوا عن ذلك الحد لا يخرجون من منازلهم ومن سكر وخرج الي السوق ووقع منه أمر مخل عاقبوه وعزروه‏.‏


الأقباط يتساوون مع المسلمين فى ركوب الخيل فى ظل الأحتلال الفرنسى
ومنها ترفع أسافل النصارى من القبط والشوام والأروام واليهود وركوبهم الخيول وتقلدهم بالسيوف بسبب خدمتهم للفرنسيس ومشيهم الخيلاء وتجاهرهم بفاحش القول واستذلالهم المسلمين كل ذلك بما كسبت أيديهم وما ربك بظلام للعبيد والحال الحال والمركوز في الطبع مازال والبعض استهوته الشياطين ومرق والعياذ بالله من الدين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم‏.‏



ومنها تواتر الأخبار من ابتداء شهر رجب بأن رجلًا مغربيًا يقال له الشيخ الكيلاني كان مجاورًا بمكة والمدينة والطائف فلما وردت أخبار الفرنسيس الى الحجاز وأنهم ملكوا الديار المصرية انزعج أهل الحجاز ويدعوهم الى الجهاد ويحضرهم على نصرة الحق والدين وقرأ بالحرم كتابًا مؤلفًا في معنى ذلك فاتعظ جملة من الناس وبذلوا أموالهم وأنفسهم واجتمع نحو الستمائة من المجاهدين وركبوا البحر الى القصير مع ما انضم إليهم من أهل ينبع وخلافه‏.‏
فورد الخبر في أواخره أنه انضم إليهم جملة من أهل الصعيد وبعض أتراك ومغاربة ممن كان خرج معهم مع غز مصر عند وقعة انبابة وركب الغز معهم أيضًا وحاربوا الفرنسيس فلم تثبت الغز كعادتهم وانهزموا وتبعهم هوارة الصعيد والمتجمعة من القرى وثبت الحجازيون ثم انكفوا لقلتهم وذلك بناحية جرجا وهرب الغز والمماليك الى ناحية اسنا وصحبتهم حسن بك الجداوي وعثمان بك حسن تابعه ووقع بين أهل الحجاز والفرنسيس بعض حروب غير هذه المرة بعدة مواضع وينفصل الفريقان بدون طائل‏.‏


( الصورة المقابلة : الجيش الفرنسى فى الصعيد )
ومنها أن الفرنسيس عملوا كرنتيلة بجزيرة بولاق وبنوا هناك بناء فيحجزون بها القادمين من السفار أيامًا معدودة كل جهة من الجهات القبلية لذلك وضجوا بالحرم وجردوا الكعبة وأن هذا الشيخ صار يعظ الناس والبحرية بحسبها والله أعلم‏.‏
يوم الأربعاء استهل شهر رمضان سنة 1213‏هـ - 6 فبراير 1799 م فيه أخذ بونابارته في الاهتمام بالسفر الى جهة الشام وجهزوا طلبًا كثيرًا وصاروا في كل يوم يخرج منه طائفة بعد طائفة‏.‏
وفي يوم السبت 4 شهر رمضان سنة 1213 هـ ‏- 9 فبراير 1799 م عمل ساري عسكر ديوانًا وأحضر المشايخ والوجاقات وتكلم معهم في أمر خروجه للسفر وأنهم قتلوا المماليك الفارين بالصعيد وأجلوا باقيهم الى أقصى الصعيد وأنهم متوجهون الى الفرقة الأخرى بناحية غزة فيقطعونهم ويمهدون البلاد الشامية لأجل سلوك الطريق ومشي القوافل والتجارات برًا وبحرًا لعمار القطر وصلاح الأحوال وأننا نغيب عنكم شهرًا ثم نعود وعند عودنا نرتب النظام في البلاد والشرائع وغير ذلك فعليكم ضبط البلد والرعية في مدة غيابنا ونبهوا مشايخ الأخطاط والحارات كل كبير يضبط طائفته خوفًا من الفتن مع العسكر المقيمين بمصر فالتزموا له بذلك وكتبوا له أوراقًا مطبوعة على العادة في معنى ذلك وألصقوها بالطرق وفي ذلك اليوم خرج القاضي ومصطفى كتخدا الباشا والمشايخ المعينون للسفر الى جهة العادلية وخرج أيضًا عدة كبيرة من عسكرهم ومعهم أحمال كثيرة حتى الأسرة والفرش والحصر وعدة مواهي ومحفات للنساء والجواري البيض والسود والحبوش اللاتي أخذوها من بيت الأمراء وتزيا أكثرهن بزي نسائهم الإفرنجيات وغير ذلك‏.‏
وفي يوم الأحد 5 شهر رمضان سنة 1213‏ هـ - 10 فبراير 1799 م ركب ساري عسكر الفرنسيس وخرج أيضًا الى العادلية وذلك في الساعة الرابعة بطالع الحمل وفيه القمر في تربيع زحل وأبقى بمصر عدة من العسكر بالقلعة والأبراج التي بنوها على التلول وقائمقام وبوسليك وساري عسكر ويزه بجملة من العسكر في الصعيد وكذلك سواري عسكر الأقاليم كل واحد معه عسكر في جهة من الجهات وأخذ معه المديرين وأصحاب المشورة والمترجمين وأرباب الصنائع منهم كالحدادين والنجارين ومهندسي الحروب وكبيرهم أبو خشبة بمصر ثم تراسل المتخلفون في الخروج كل يوم تخرج منهم جماعة‏.‏
وفي يوم الثلاثاء 7 شهر رمضان سنة 1213‏هـ - 10 فبراير 1799 م انتدب للنميمة ثلاثة من النصارى الشوام وعرفوهم أن المسلمين قاصدون الوثوب على الفرنسيس في يوم الخميس تاسعه فأرسل قائمقام خلف المهدي والآغا فأحضرهما وذكر لهما ذلك فقالا له‏:‏ هذا كذب لا أصل له وإنما هذه نميمة من النصارى كراهة منهم في المسلمين ففحص عمن اختلق ذلك فوجدهم ثلاثة من النصارى الشوام فقبضوا عليهم وسجنوهم بالقلعة حتى مضى يوم الخميس فلم يظهر صحة ما نقلوه فأبقاهم في الاعتقال ثم أن نصارى الشوام رجعوا الى عادتهم القديمة في لبس العمائم السود والزرق وتركوا لبس العمائم البيض والشيلان الكشميري الملونة والمشجرات وذلك بمنع الفرنسيس لهم من ذلك ونبهوا أيضًا بالمناداة في أول رمضان بأن نصارى البلد يمشون على عادتهم مع المسلمين أولًا ولا يتجاهرون بالأكل ولا يشربون الدخان ولا شيئًا من ذلك بمرأى منهم كل ذلك لاستجلاب خواطر الرعية حتى أن بعض الرعية من الفقهاء مر على بعض النصارى وهو يشرب الدخان فانتهزه فرد عليه ردًا شنيعًا فنزل ذلك المتعمم وضرب النصراني واجتمع عليه الناس وحضر حاكم الخطة فرفعهما الى قائمقام فسأل من النصارى الحاضرين عن عادتهم في ذلك فأخبروه أن من عادتهم القديمة أنه إذا استهل شهر رمضان لا يأكلون ولا يأكلون في الأسواق ولا بمرأى من المسلمين أبدًا فضرب النصراني وترك المتعمم لسبيله‏.‏
وفي يوم السبت 19 شهر رمضان سنة 1213‏هـ - 24 فبراير 1799 م أحضروا مراد آغا تابع سليمان بك الآغا ومعه آخر من الأجناد من ناحية قبلي فأصعدوهما القلعة قبل قتلهما‏.‏


إنضمام بعض العثمانيين الذين كانوا فى قلعة العريش إلى الجيش الفرنسى
وفي يوم الأحد 25 شهر رمضان سنة 1213‏هـ - مارس 1799 م ورد الخبر بأن الفرنساوية ملكوا قلعة العريش وطاف رجل من أتباع الشرطة ينادي في الأسواق أن الفرنساوية ملكوا قلعة العريش وأسروا عدة من المماليك وفي غد يعملون شكنًا ويضربون مدافع فإذا سمعتم ذلك فلا تفزعوا فلما أصبح يوم الأحد حضر المماليك المذكورة وهم ثمانية عشر مملوكًا وأربعة من الكشاف وهم راكبون الحمير ومتقلدون بأسلحتهم ومعهم نحو المائة من عسكر الفرنسيس وأمامهم طبلهم وخرج بعض الناس فشاهدهم ولما وصلوا الى خارج القاهرة حيث الجامع الظاهري خرج الآغا وبرطلمين بطوافيهما ينتظرانهم ومعهم طبول وبيارق وطوائف ومشوا معهم الى الأزبكية من الطريق التي أحدثوها ودخلوا بهم الى بيت قائمقام فأخذوا سلاحهم وأطلقوهم فذهبوا الى بيوتهم وفيهم أحمد كاشف تابع عثمان بك الأشقر وآخر يقال له حسن كاشف الدويدار وكاشفان آخران وهما يوسف كاشف الرومي واسمعيل كاشف تابع أحمد كاشف المذكور وكان من خبرهم أنهم كانوا مقيمين بقلعة العريش وصحبتهم نحو ألف عسكري مغاربة وأرنؤد فحضر لهم الفرنسيس الذين كانوا في المقدمة في أواخر شعبان فأحاطوا بالقلعة وحاربوهم من داخلها ونالوا منهم ما نالوه ثم حضر إليهم ساري عسكر بجموعه بعد أيام وألحوا في حصارهم فأرسل من بالعريش الى غزة فطلب نجدة فأرسلوا لهم نحو السبعمائة وعليهم قاسم بك أمين البحرين فلم يتمكنوا من الوصول الى القلعة لتحلق الفرنساوية بها وإحاطتهم حولها فنزلوا قريبًا من القلعة فكبستهم عسكر الفررنسيس بالليل فاستشهد قاسم بك وغيره وانهزم الباقون ولم يزل أهل القلعة يحاربون ويقاتلون حتى فرغ ما عندهم من البارود والذخيرة فطلبوا عند ذلك الأمان فأمنوهم ومن القلعة أنزلوهم وذلك بعد أربعة عشر يومًا فلما نزلوا على أمانهم أرسلوهم الى مصر مع الوصية بهم وتخلية سبيلهم فحضروا الى مصر كما ذكر وأخذوا سلاحهم وخلوا سبيلهم وصاروا يترددون عليهم ويطمونهم ويلاطفونهم ويفرجونهم على صنائعهم وأحوالهم ( الصورة المقابلة : الجنود الأتراك فى قلعة العريش ) ‏.‏
وأما العسكر الذين كانوا معهم بقلعة العريش فبعضهم انضاف إليهم وأعطوهم جامكية وعلوفة وجعلوهم بالقلعة مع عسكر من الفرنسيس والبعض لم يرض بذلك فأخذوا سلاحه وأطلقوهم في حال سبيلهم وذهب الفرنسيس الى ناحية غزة وفي ذلك اليوم بعد الظهر عملوا الشنك الموعود به وضربوا عدة مدافع بالقلعة والأزبكية وأظهر النصارى الفرح والسرور بالأسواق والدور وأولموا في بيوتهم الولائم وغيروا الملابس والعمائم وتجمعوا للهو والخلاعة وزادوا في القبح والشناعة‏.‏
بدء ظهور قوة الهجان ( الهجانة)
وفي يوم الأربعاء 29 شهر رمضان سنة 1213‏هـ - 6 مارس 1799 م توفي أحمد كاشف المذكور فجأة وفي عصر ذلك اليوم حضر جماعة من الفرنسيس نحو الخمسة والعشرين هم راكبون الهجن وعلى رؤوسهم عمائم بيض ولابسون برانس بيضًا على أكتافهم فذهبوا الى بيت قائمقام بالأزبكية ( الصورة المقابلة : رجل من قوة الهجانة ومما يذكر أن أسرة محمد على كانت تستعمل هذه القوة من الجنود السودانيين أو النوبيين )


الفرنسيين أحتلوا غزة وخان يونس
فلما أصبح يوم الخميس 30 شهر رمضان سنة 1213‏هـ - 7 مارس 1799 م عملوا الديوان وقرأوا المكاتبة التي حضرت مع الهجانة حاصلها أن الفرنسيس أخذوا غزة وخان يونس وأخبار مختلفة‏.‏
منها أنهم وجدوا ابراهيم بك ومن معه ارتحلوا من هناك وكانوا أرسلوا حريمهم وأثقالهم الى جبل نابلس وقيل بل تحاربوا معهم وانهزموا وفي ذلك اليوم بعد العصر بنحو عشرين درجة حضر عدة من الفرنسيس ومهم كبير منهم وهم راكبون الخيول وعدة من المشاة وفيهم جماعة لابسون عمائم بيضًا وجماعة أيضًا ببرانيط ومعهم نفير ينفخ فيه وبيدهم بيارق وهي التي كانت عند المسلمين على قلعة العريش الى أن وصلوا الى الجامع الأزهر فاصطفوا رجالًا وركبانًا بباب الجامع وطلبوا الشيخ الشرقاوي فسلموه تلك البيارق وأمروه برفعها ونصبها على منارات الجامع الأزهر فنصبوا بيرقين ملونين على المنارة الكبيرة ذات الهلالين عند كل هلال بيرقًا وعلى منارة أخرى بيرقًا ثالثًا وعند رفعهم ذلك ضربوا عدة مدافع من القلعة بهجة وسرورًا وكان ذلك ليلة عيد الفطر فلما كان عند الغرب ضربوا عدة مدافع أيضًا إعلامًا بالعيد وبعد العشاء الأخيرة طاف أصحاب الشرطة ونادوا بالأمان وبخروج الناس على عادتهم لزيارة القبور بالقرافتين والاجتماع لصلاة العيد وأن يلبسوا أحسن ثيابهم ولما ملكوا العريش كتبوا أوراقًا وأرسلوها الى البلاد ونصها‏:‏ فرمان عام موجه من أمير الجيوش الى أهالي الشام قاطبة‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين من طرف بونابارته أمير الجيوش الفرنساوية الى حضرة المفتين والعلماء وكافة أهالي نواحي غزة والرملة ويافا حفظهم الله تعالى بعد السلام نعرفكم أننا حررنا لكم هذه السطور نعلمكم أننا حضرنا في هذا الطرف لقصد طرد المماليك وعسكر الجزار عنكم والى أي سبب حضور عسكر الجزار وتعديه على بلاد يافا وغزة التي ما كانت من حكمه والى أي سبب أيضًا أرسل عساكره الى قلعة العريش بذلك هجم على أراضي مصر فلا شك كان مراده إجراء الحروب معنا ونحن حضرنا لنحاربه فأما أنتم يا أهالي الأطراف المشار إليها فلم نقصد لكم أذية ولا أدنى ضرر فأنتم استمروا في محلكم ووطنكم مطمئنين ومرتاحين وأخبروا من كان خارجًا عن محله ووطنه أن يرجع ويقيم في محله ووطنه ومن قبلنا عليكم ثم عليهم الأمان الكافي والحماية التامة ولا أحد يتعرض لكم في مالكم وما تملكه يدكم وقصدنا أن القضاة يلازمون خدمهم ووظائفهم على ما كانوا عليه وعلى الخصوص أن دين الإسلام لم يزل معتزًا ومعتبرًا والجوامع عامرة بالصلاة وزيارة المؤمنين‏.‏
إذ كل خير يأتي من الله تعالى وهو يعطي النصر لمن يشاء ولا يخفاكم أن جميع ما تأمر به الناس ضدنا فيغدو باطلًا ولا نفع لهم به لأن كل ما نضع به يدنا لابد من تمامه للخير والذي يتظاهر بالغدر يهلك ومن كل ما حصل تفهمون جيدًا أننا نقمع أعداءنا ونعضد من يحبنا‏.‏
وعلى الخصوص من كوننا متصفين بالرحمة والشفقة على الفقراء المساكين‏.‏
ولما أخذوا غزة أرسلوا طومارًا بصورة الواقعة وبصموه نسخًا وقرئ بالديوان وألصقوا نسخه المطبوعة بالأسواق وصورته‏:‏


بسم الله الرحمن الرحيم

ولا عدوان إلا على الظالمين

نخبر أهل مصر وأقاليمها أنه حضر فرمان مكتوب من غزة من حضرة الجنرال اسكندر يرتبه خطابًا الى حضرة ساري عسكر دوجا وكيل الجيوش بمصر يخبره فيه بأن العساكر الفرنساوية باتوا ليلة تسعة عشر شهر رمضان في خان يونس وفي فجر تلك الليلة توجهوا سائرين الى ناحية غزة فكشفوا قبل الظهر بساعة عسكر المماليك وعسكر الجزار جالسين تجاه غزة فتوجه إليهم الجنرال مرارًا مع عساكر الفرنساوية من خيالة ومشاة مراده اغتيال عسكر المماليك وعسكر الجزار فلما انتبهوا له فروا هاربين ووقع بينه وبين أطراف العساكر بعض مضاربة يسيرة لم ينجرح فيها إلا شخصان من الفرنساوية مات عسكري واحد ومات من عسكر المماليك والجزار ناس قلائل وحين تشاغل ساري عسكر مراد بالمضاربة والمقاتلة دخل حضرة ساري عسكر كلهبر (الصورة المقابلة : كليبر) الذي كان حاكمًا بالاسكندرية وكان ساكنًا بالأزبكية الى بندر غزة وملكها من غي ر معارض له ووجدوا فيها حواصل مشحونة بالذخائر من بقسماط وشعير وأربعمائة قنطار بارود واثني عشر مدفعًا وحاصلًا كبيرًا مملوءًا بالخيام الكثيرة وجللًا وبنبات مهيئات محضرات كصنعة الإفرنج هذا ما وقع لملكهم لغزة وقد أخبرناكم على ما وقع في كيفية ملك العريش سابقًا فاستقيموا عباد الله وارضوا بقضاء الله وتأدبوا في أحكام مولاكم الذي خلقكم وسواكم والسلام ختام‏.‏
وانقضى شهر رمضان ووقع به قبل ورود هذه الأخبار من السكون والطمأنينة وخلو الطرقات من العسكر وعدم مرور المتخلفين منهم إلا في النادر واختفائهم بالليل جملة كافية وانفتاح الأسواق والدكاكين والذهاب والمجيء وزيارة الإخوان ليلًا والمشي على العادة بالفوانيس ودونها واجتماع الناس للسهر في الدور والقهاوي ووقود المساجد صلاة التراويح وطواف المسحرين والتسلي بالرواية والنقول وترجي المأمول وانحلال الأسعار فيما عدا المجلوبات من الأقطار‏.‏
ومنها أن الفرنساوية صاروا يدعون أعيان الناس والمشايخ والتجار للإفطار والسحور ويعملون لهم الولائم ويقدمون لهم الموائد على نظام المسلمين وعادتهم ويتولى أمر ذلك الطباخون والفراشون من المسلمين تطمينًا لخواطرهم ويذهبون هم أيضًا ويحضرون عندهم الموائد ويأكلون معهم في وقت الإفطار ويشاهدون ترتيبهم ونظامهم ويحذون حذوهم ووقع منهم من المسايررة للناس وخفض الجانب ما يتعجب منه والله أعلم‏.‏
يوم الجمعة أول شهر شوال سنة 1213‏هـ - 8 مارس 1799 م استهل بيوم الجمعة وفي صبح ذلك اليوم ضربوا عدة مدافع لشنك العيد واجتمع الناس لصلاة العيد في المساجد والأزهر واتفق أن إمام الجامع الأزهر نسي قراءة الفاتحة في الركعة الثانية فلما سلم أعاد الصلاة بعدما شنع عليه الجماعة وخرج الرجال والنساء لزيارة القبور‏.‏
فانتبذ بعض الحرافيش نواحي تربة باب النصر وأسرع في مشيه هو يقول‏:‏ نزلت عليكم العرب يا ناس فهاجت الناس وانزعجت النساء ورمحت الجعيدية والحرافيش وخطفوا ثياب النساء وأزرهن وما صادفوه من عمائم الرجال وغير ذلك واتصل ذلك بتربة المجاورين وباب الوزير والقرافة حتى أن بعض النساء مات تحت الأرجل ولم يكن لهذا الكلام صحة وإنما ذلك من مخترعات الأوباش لينالوا أغراضهم من الخطف بذلك‏.‏
وفيه ركب أكابر الفرنسيس وطافوا على أعيان البلد وهنوهم بالعيد وجاملهم الناس بالمدارة وفي أوائله وردت الأخبار بأن الأمراء المصرية القبليين تفرقوا من بعضهم فذهب مراد بك وآخرون الى نواحي ابراهيم بك ومنهم من ذهب الى ناحية أسوان والألفي عدى بجماعته الى ابر الشرقي‏.‏
وفي 5 شهر شوال سنة 1213‏هـ - 12 مارس 1799 م قدم الشيخ محمد الدواخلي من ناحية القرين متمرضًا وكان بصحبته الصاوي والفيومي متخلفين بالقرين وسبب تخلفهم أن كبير الفرنسيس لما ارتحل من الصالحية أرسل الى كتخدا الباشا والقاضي والجماعة الذين بصحبتهم يأمرهم بالحضور الى الصالحية لأنهم كانوا يباعدون عنه مرحلة فلما أرادوا ذلك بلغهم وقوف العرب بالطريق فخافوا من المرور‏.‏
فذهبوا الى العرين فأقاموا هناك واتخذ عسكر الفرنسيس جمالهم فأقاموا بمكانهم فتقلق هؤلاء الثلاثة وخافوا سوء العاقبة ففارقوهم وذهبوا للقرين وتخلف عنهم الفيومي فأقام مع كتخدا الباشا والقاضي فحصل للدواخلي توعك فحضر الى مصر وبقي رفيقاه في حيرة‏.‏
وفي الخميس 7 شهر شوال سنة 1213‏هـ - 14 مارس 1799 م أحضر الآغا رجلًا ورمى عنقه عند باب زويلة ( الصورة المقابلة باب زويلة ) وشنق امرأة على شباك السبيل تجاه الباب والسبب في ذلك أن الفرنساوي حاكم خط الخليفة وجهة الركبية ويسي دلوي أحضر باعة الغلال بالرميلة وصادرهم ومنعهم من دفع معتاد الوالي فاجتمعوا وذهبوا الى كبير الفرنسيس الذي يقال له شيخ البلد وشكوا إليه وكان الأمير ذو الفقار حاضرًا وهو يسكن تلك الجهة فعضدهم وعرف شيخ البلد عن شكواهم فأرسل شيخ البلد الى دلوي فانتهره وأمره برد ما أخذه فأخبره أتباعه أن ذا الفقار هو الذي عضدهم وأنهى شكواهم الى كبيرهم فقام دلوي المذكور ودخل على ذي الفقار في بيته وسبه وشتمه بلغته وفزع عليه ليضربه فلما خرج من عنده قام وذهب الى كبيرهم وأخبره بفعل دلوي معه فأمر بإحضاره وحبسه بالقلعة‏.‏
ثم أخبر بعض الناس شيخ البلد أن التعرض الذي وقع من دلوي لباعة الغلة إنما هو بإغراء خادمه وعرفه أن خادمه المذكور مولع بامرأة رقاصة من الرميلة تأتيه بأشكالها هو وأضرابه وترقص لهم تلك المرأة في القهوة التي بخطهم ليلًا ونهارًا وتبيت معهم في البيت ويصبحون على حالهم فلما حبس أميرهم اختفوا فدلوا على الرجل والمرأة فقبضوا عليهما وفعلوا بهما ما ذكر ولا بأس بما حصل‏.‏
وفي يوم الجمعة 8 شهر شوال سنة 1213‏هـ - 15 مارس 1799 م نودي في الأسواق بموكب كسوة الكعبة المشرفة من قراميدان والتنبيه باجتماع الوجاقات وأرباب الأشاير وخلافهم على العادة في عمل الموكب


فلما أصبح يوم السبت 9 شهر شوال سنة 1213‏هـ - 16 مارس 1799 م اجتمع الناس في الأسواق وطريق المرور وجلسوا للفرجة فمروا بذلك وأمامها الوالي والمحتسب وعليهم القفاطين والبينشات وجميع الأشاير بطبولهم وزمورهم وكاساتهم ثم برطلمين كتخدا مستحفظان وأمامه نفر الينكجرية من المسلمين نحو المائتين أو أكثر وعدة كثيرة من نصارى الأروام بالأسلحة والملازمين بالبراقع وهو لابس فروة عظيمة ثم مواكب القلقات ثم موكب ناظر الكسوة وهو تابع مصطفى كتخدا الباشا وخلفه النوبة التركية فكانت هذه الركبة من أغرب المواكب وأعجب العجائب لما اشتملت عليه من اختلاف الأشكال وتنوع الأمثال واجتماع الملل وارتفاع السفل وكثرة الحشرات وعجائب المخلوقات واجتماع الأضداد ومخالفة الوضع المعتاد وكان نسيج الكسوة بدار مصطفى كتخدا المذكور وهو على خلاف العادة من نسجها بالقلعة‏.‏




9 
LoVe My LiFe

حصار يافا وتفشى مرض الطاعون

وفي يوم الأربعاء 13 شهر شوال سنة 1213‏هـ - 20 مارس 1799 م حضر عدة من الفرنسيس وهم راكبون الهجن ومعهم عدة بيارق وأْلام بعد الظهر وأخبروا أن الفرنسيس ملكوا قلعة يافا وبيدهم مكاتبة من ساري عسكرهم بالإخبار عما وقع

فلما كان يوم الخميس 14 شهر شوال سنة 1213‏هـ - 21 مارس 1799 م واجتمع أرباب الديوان فقرأ عليهم تلك المراسلة بعد تعريبها وترصيفها على هذه الكيفية وهي عن لسان رؤساء الديوان الى الكافة وذلك بإلزامهم وأمرهم بذلك‏.‏ وصورتها‏:‏

بسم الله الرحمن الرحيم مالك الملك يفعل في ملكه ما يريد

سبحان الحكم العدل الفاعل المختار ذي البطش الشديد هذه صورة تمليك الله سبحانه وتعالى

جمهور الفرنساوية لبندر يافا من الأقطار الشامية نعرف أهل مصر وأقاليمها من سائر البرية أن العساكر الفرنساوية انتقلوا من غزة ثالث عشرين رمضان ووصلوا الى الرملة في الخامس والعشرين منه في أمن واطمئنان فشاهدوا عسكر أحمد باشا الجزار هاربين بسرعة قائلين الفرار الفرار‏.‏
ثم أن الفرنساوية وجدوا في الرملة ومدينة لد مقدارًا كبيرًا من مخازن البقسماط والشعير ورأوا فيها ألفًا وخمسمائة قربة مجهزة جهزها الجزار يسير بها الى إقليم مصر مسكن الفقراء والمساكين ومراده أن يتوجه إليها بأشرار العربان من سطح الجبل ولكن تقادير الله تفسد المكر والحيل قاصدًا سفك دماء الناس مثل عوائده الشامية وتجبره وظلمه مشهور لأنه تربية المماليك الظلمة المصرية ولم يعلم من خسافة عقله وسوء تدبيره أن الأمر لله كل شيء بقضائه وتدبيره وفي سادس عشرين شهر رمضان وصلت مقدمات الفرنساوية الى بندر يافا من الأراضي الشامية وأحاطوا بها وحاصروها من الجهة الشرقية والغربية وأرسلوا الى حاكمها وتحيل الجزار أن يسلمهم القلعة قبل أن يحل به وبعسكره الدمار فمن خسافة رأيه وسوء تدبيره سعى في هلاكه وتدميره ولم يرد لهم جواب وخالف قانون الحرب والصواب‏.‏
وفي أواخر ذلك اليوم السادس والعشرين تكاملت العساكر الفرنساوية على محاصرة يافا وصاروا كلهم مجتمعين وانقسموا على ثلاثة طوابير‏:‏ الطابور الأول توجه على طريق عكا بعيدًا عن يافا أربع ساعات وفي السابع والعشرين من الشهر المذكور أمر حضرة ساري عسكر الكبير بحفر خنادق حول السور لأجل أن يعملوا متاريس أمينة وحصارات متقنة حصينة لأنه وجد سور يافا ملآنًا بالمدافع الكثيرة ومشحونة بعسكر الجزار الغزيرة‏.‏ ( الصورة المقابلة : قلعة يافا )
وفي تاسع عشرين الشهر لما قرب حفر الخندق الى السور مقدار مائة وخمسين خطوة أمر حضرة ساري عسكر المشار إليه أن ينصب المدافع على المتاريس وأن يضعوا أهوان القنبر بإحكام وتأسيس وأمر بنصب مدافع أخر بجانب البحر لمنع الخارجين إليهم من مراكب المينا‏.‏
لأنه وجد في المينا بعض مراكب أعدها عسكر الجزار للهروب ولا ينفع الهروب من القدر المكتوب ولما رأت عساكر الجزار الكائنون بالقلعة المحاصرون أن عسكر الفرنساوية قلائل في رأي العين للناظرين لمداراة الفرنساوية في الخنادق وخلف المتاريس غرهم الطمع فخرجوا لهم من القلعة مسرعين مهرولين وظنوا أنهم يغلبون الفرنساوية فهجم عليهم الفرنسيس وقتلوا منهم جملة كثيرة في تلك الواقعة وألجؤوهم للدخول ثانيًا في القلعة‏.‏
وفي يوم الخميس غاية شهر رمضان حصل عند ساري عسكر شفقة قلبية وخاف على أهل يافا من عسكره إذا دخلوا بالقهر والإكراه فأرسل إليهم مكتوبًا من رسول مضمونه‏:‏


لا إله إلا الله وحده لا شريك له بسم الله الرحمن الرحيم

من حضرة ساري عسكر اسكندر برتيه كتخدا العسكر الفرنساوي الى حضرة حاكم يافا

نخبركم أن حضرة ساري عسكر الكبير بونابارته أمرنا أن نعرفك في هذا الكتاب أن سبب حضوره الى هذا الطرف إخراج عسكر الجزار فقط من هذه البلدة لأنه تعدى بإرسال عسكره الى العريش ومرابطته فيها والحال أنها من إقليم مصر التي أنعم الله بها علينا فلا يناسبه الإقامة بالعريش لأنها ليست من أرضه فقد تعدى على ملك غيره ونعرفكم يا أهل يافا أن بندركم حاصرناه من جميع أطرافه وجهاته وربطناه بأنواع الحرب وآلات المدافع الكثيرة والجلل والقنابر وفي مقدار ساعتين ينقلب سوركم وتبطل آلاتكم وحروبكم ونخبركم أن حضرة ساري عسكر المشار إليه لمزيد رحمته وشفقته خصوصًا بالضعفاء من الرعية خاف عليكم من سطوة عسكره المحاربين إذا دخلوا عليكم بالقهر أهلكوكم أجمعين فلزمنا أننا نرسل لكم هذا الخطاب أمانًا كافيًا لأهل البلد والأغراب ولأجل ذلك أخر ضرب المدافع والقنابر الصاعدة عنكم ساعة فلكية واحدة وإني لكم لمن الناصحين وهذا آخر جواب الكتاب فجعلوا جوابنا حبس الرسول مخالفين للقوانين الحربية والشريعة المطهرة المححمدية وحالًا في الوقت والساعة هيج ساري عسكر واشتد غضبه على الجماعة وأمر بابتداء ضرب المدافع والقنابر الموجب للتدمير وبعد مضي زمان يسير تعطلت مدافع يافا المقابلة لمدافع المتاريس وانقلب عسكر الجزار وبال وتنكيس

وفي وقت الظهر من هذا اليوم انخرق سور يافا وارتج له القوم ونقب من الجهة التي ضرب فيها المدافع من شدة النار ولا راد لقضاء الله ولا مدافع وفي الحال أمر حضرة ساري عسكر بالهجوم عليهم وفي أقل من ساعة ملكت الفرنساوية جميع البندر والأبراج ودار السيف في المحاربين واشتد بحر الحرب وهاج وحصل النهب فيها تلك الليلة‏.‏

وفى يوم الجمعة غرة شوال وقع الصفح الجميل من حضرة ساري عسكر الكبير ورق قلبه على أهل مصر من غني وفقير الذين كانوا في يافا وأعطاهم الأمان وأمرهم برجوعهم الى بلدهم مكرمين وكذلك أمر أهل دمشق وحلب برجوعهم الى أوطانهم سالمين لأجل أن يعرفوا مقدار شفقته ومزيد رأفته ورحمته يعفو عند المقدرة ويصفح وقت المعذرة مع تمكينه ومزيد إتقانه وتحصينه وفي هذه الواقعة قتل أكثر من أربعة آلاف من عسكر الجزار بالسيف والبندق لما وقع منهم من الانحراف وأما الفرنساوية فلم يقتل منهم إلا القليل والمجروحون منهم ليسوا بكثير وسبب ذلك سلوكهم الى القلعة من طريق أمينة خافية عن العيون وأخذوا ذخائر كثيرة وأموالًا غزيرة وأخذوا المراكب التي في المينة واكتسبوا أمتعة غالية ثمينة ووجدوا في القلعة أكثر من ثمانين مدفع ولم يعلموا مع مقادير الله أن آلات الحرب لا تنفع فاستقيموا عباد الله وارضوا بقضاء الله ولا تعترضوا على أحكام الله وعليكم بتقوى الله واعلموا أن الملك لله يؤتيه من يشاء والسلام عليكم ورحمة الله‏.‏
فلما تحقق الناس هذا الخبر تعجبوا وكانوا يظنون بل يتيقنون استحالة ذلك خصوصًا ف المدة القليلة ولكن المقضي كائن‏.‏
وفي يوم الجمعة 15 شهر شوال سنة 1213‏هـ - 22 مارس 1799 م شق جماعة من أتباع الشرطة في الأسواق والحمامات والقهاوي ونبهوا على الناس بترك الفضول والكلام واللغط في حق الفرنسيس ويقولون لهم‏:‏ من كان يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر فلينته ويترك الكلام في ذلك فإن ذلك مما يهيج العداوة وعرفوهم أنه إن بلغ الحاكم من المتجسسين عن أحد تكلم في ذلك عوقب أو قتل فلم ينتهوا وربما قبض على البعض وعاقبوه بالضرب والتغريم‏.‏
وفي ذلك اليوم كان التحويل الربيعي وانتقال الشمس الى برج الحمل وهو أول شهر من شهورهم فعملوا ليلة السبت شنكًا وحراقة وسواريخ وتجمعوا بدار الخلاعة نساء ورجالًا وتراقصوا وتسابقوا وأوقدوا سراجًا وشموعًا وغير ذلك وأظهر الأقباط والشوام مزيد الفرح والسرور‏.‏
وفي يوم السبت 16 شهر شوال سنة 1213‏هـ - 23 مارس 1799 م المذكور أرسلوا الأعلام والبيارق التي أحضروها من قلعة يافا وعدتها ثلاثة عشر وفيها من له طلائع فضة كبار الى الجامع الأزهر وكانوا أنزلوا أعلام قلعة العريش قبل ذلك بيوم من أعلى المنارات وأرسلوا بدلها أعلام يافا وعملوا لها موكبًا بطائفة من العسكر يقدمهم طبلهم وخلفهم الآغا بجماعته وطائفته والمحتسب ومدبرو الديوان وخلفهم طبل آخر يضربون عليه بإزعاج شديد وخلف ذلك الطبل جماعة من العسكر يحملون البنادق على أكتافهم كالطائفة الأولى وبعدهم عدة من العسكر على رؤوسهم عمائم بيض يحملون تلك الأعلام الكبار والبيارق المذكورة وخلفهم جماعة خيالة من كبار العسكر وآخرون راكبون على حمير المكارية فلما وصلوا الى باب الجامع الأزهر رتبوا تلك الأعلام ووضعوها على أعلى الباب الكبير فوق المكتب منشورة وبعضها على الباب الآخر من الجهة الأخرى عند حارة كتامة المعروفة الآن بالعينية ولم يصعدوا منها على المنارات كما صنعوا في أعلام العريش‏.‏


أوامر الفرنسيين لأجل تجنب مرض الطاعون وأوامر اخرى لمعاقبة من يستضيف الغرباء
وفي يوم الأحد 17 شهر شوال سنة 1213‏هـ - 24 مارس 1799 م رتبوا أوامر وكتبوها في أوراق مبصومة وألصقوها بالأسواق إحداها بسبب مرض الطاعون وأخرى بسبب الضيوف الأغراب ومضمون الأولى بتقاسيمه ومقالاته خطابًا لأهل مصر وبلاق ومصر القديمة ونواحيها‏:‏


إنكم تمتثلون هذه الأوامر وتحافظون عليها ولا تخالفوها وكل من خالفها وقع له مزيد الانتقام والعقاب الأليم والقصاص العظيم وهي المحافظة من تشويش الكبة وكل من تيقنتم أو ظننتم أو توهمتم أو شككتم فيه ذلك في محل من المحلات أو بيت أو وكالة أو ربع يلزمهم ويتحتم عليكم أن تعملوا كرنتيلة ويجب قفل ذلك المكان ويلزم شيخ الحارة أو السوق الذي فيه ذلك أن يخبر حالًا قلق الفرنساوية حاكم ذلك الخط والقلق يخبر شيخ البلد قائمقام مصر وأقاليمها ويكون ذلك فورًا‏.‏
وكذلك كل ملة من سكان مصر وأقاليمها وجوانبها والأطباء إذا تحققوا وعلموا حصول ذلك المرض يتوجه كل طبيب الى قائمقام ويخبره ليأمره بما هو مناسب للصيانة والحفظ من التشويش وكل من كان عنده خبر من كبار الأخطاط أو مشايخ الحارات وقلقات الجهات ولم يخبر بهذا المرض يعاقب بما يراه قائمقام ويجازى مشايخ الحارات بمائة كرباج جزاء للتقصير وملزوم أيضًا من أصابه هذا التشويش أو حصل في بيته لغيره من عائلته أو عشيرته وانتقل من بيته الى آخر أن يكون قصاصه الموت وهو الجاني على نفسه بسبب انتقاله وكل رئيس ملة في خط إذا لم يخبر بالكبة الواقعة في خطه أو بمن مات بها أيضًا حالًا فوريًا كان عقاب ذلك الرئيس وقصاصه الموت والمغسل إن كان رجلًا أو امرأة إذا رأى الميت أنه مات بالكبة أوشك في موته ولم يخبر قبل مضي أربع وعشرين ساعة كان جزاؤه وقصاصه الموت وهذه الأوامر الضرورية بلزوم أغات الينكجرية وحكام البلد الفرنساوية والإسلامية تنبيه الرعية واستيقاظهم لها فإنها أمور مخفية وكل من خالف حصل له مزيد الانتقام من قائمقام وعلى القلقات البحث والتفتيش عن هذه العلة الردية لأجل الصيانة والحفظ لأهل البلد والحذر من المخالفة والسلام‏.‏
ومضمون الثانية‏:‏


الخطاب السابق من ساري عسكر دوجا الوكيل وحاكم البلد دسني قائمقام يلزم المدبرين بالديوان أنهم يشهرون الأوامر وينتبهوا لها وكل من خالف يحصل له مزيد الانتقام وهو أنه يتحتم ويلزم صاحب كل خمارة أو وكالة أو بيت الذي يدخل في محله ضيف أو مسافر أو قادم من بلدة أو إقليم أن يعرف عنه حالًا حاكم البلد ولا يتأخر عن الإخبار إلا مدة أربعة وعشرين ساعة يعرفه عن مكانه الذي قدمه منه وعن سبب قدومه وعن مدة سفره ومن أي طائفة أو ضيفًا أو تاجرًا أو زائرًا أو غريمًا مخاصمًا لابد لصاحب المكان من إيضاح البيان والحذر ثم الحذر من التلبيس والخيانة وإذا لم يقع تعريف عن كامل ما ذكر في شأن القادم بعد الأربعة وعشرين ساعة بإظهار اسمه وبلده وسبب قدومه يكون صاحب المكان متعديًا ومذنبًا وخائنًا وموالسًا مع المماليك‏.‏
ونخبركم معاشر الرعايا وأرباب الخمامير والوكائل أن تكونوا ملزومين بغرامة عشرين ريالًا فرانسة في المرة الأولى وأما في المرة الثانية فإن الغرامة تضاعف ثلاث مرات ونخبركم أن الأمر بهذه الأحكام مشترك بينكم وبين الفرنسيس الفاتحين للخمامير والبيوت والوكائل والسلام‏.‏
وفيه اجتمعوا بالديوان وتفاوضوا في شأن مصطفى بك كتخدا الباشا المولى أمير الحاج وهو أنه لما ارتحل مع ساري عسكر وصحبته القاضي والمشايخ الذين عينوا للسفر والوجاقلية والتجار وافترق منهم عند بلبيس وتقدم هو الى الصالحية ثم أنهم انتقلوا الى العرين فحضر جماعة من العساكر المسافرين فاحتاجوا الى الجمال فأخذوا جمالهم فلما وصل ساري عسكر الى وطنه أرسل يستدعيهم الى الحضور فلم يجدوا ما يحملون عليه متاعهم وبلغهم أن الطريق مخيفة من العرب فلم يمكنهم اللحاق به فأقاموا بالعرين بالعين المهملة عدة أيام وأهمل أمرهم ساري عسكر ثم أن الشيخ الصاوي والعريشي والدواخلي وآخرين خافوا عاقبة الأمر ففارقوهم وذهبوا الى القرين بالقاف وحصل للدواخلي توعك وتشويش فحضر الى مصر كما تقدم ذكر ذلك وانتقل مصطفى بك المذكور والقاضي وصحبتهم الشيخ الفيومي وآخرون من التجار والوجاقلية الى كفور نجم وأقاموا هناك أيامًا واتفق أن الصاوي أرسل الى داره مكتوبًا وذكر في ضمنه أن سبب افتراقهم من الجماعة أنهم رأوا من كتخدا الباشا أمورًا غير لائقة‏.‏
فلما حضر ذلك المكتوب طلبه الفرنساوية المقيمين في مصر وقرأوه وبحثوا عن الأمور اللائقة فأولها بعض المشايخ أنه قصر في حقهم والاعتناء بشأنهم فسكتوا وأخذوا في التفحص‏.‏
فظهر لهم خيانته ومخامرته عليهم واجتمع عليه الجبالي وبعض العرب العصاة وأكرمهم وخلع عليهم وانتقل بصحبتهم الى منية غمر ودقدوس وبلاد الوقف وجعل يقبض منهم الأموال وحين كانوا على البحر مر بهم مراكب تحمل الميرة والدقيق الى الفرنسيس بدمياط فقاطعوا عليهم وأخذوا منهم ما معهم قهرًا وأحضروا المراكبية بالديوان فحكوا على ما وقع لهم معه فأثبتوا خيانة مصطفى بك المذكور وعصيانه وأرسلوا هجانًا بإعلام ساري عسكرهم بذلك‏.‏
فرجع إليهم بالجواب يأمرهم فيه بأن يرسلوا له عسكرًا ويرسلوا الى داره جماعة ويقبضون عليه ويختمون على داره ويحبسون جماعته‏.‏
وفي يوم الأحد 24 شهر شوال سنة 1213‏هـ - 31 مارس 1799 م عينوا عليه عسكرًا وأرسلوا الى داره جماعة ومعهم وكلاء فقبضوا على كتخدائه الذي كان ناظرًا على الكسوة وعلى ابن أخيه ومن معهم وأودعوهم السجن بالجيزة وضبطوا موجوداته وما تركه مخدومه بكر باشا بقائمة وأودعوا ذلك بمكان بالقلعة فوجدوا غالب أمتعة الباشا وبرقه وملابسه وعبي الخيل والسروج وغيرها شيئًا كثيرًا‏.‏
وجدوا بعض خيول وجمال أخذوها أيضًا فانقبض خواطر الناس لذلك فإنهم كانوا مستأنسين بوجوده ووجود القاضي ويتوسلون بشفاعتهما عند الفرنسيس وكلمتهما عندهم مقبولة وأوامرهما مسموعة ثم انهم أرسلوا أمانًا للمشايخ والوجاقلية والتجار بالحضور الى مصر مكرمين ولا بأس عليهم‏.‏
وفيه ورد الخبر بأن السيد عمر أفندي نقيب الأشراف حضر الى دمياط وصحبته جماعة من أفندية الروزنامة الفارين مثل عثمان أفندي العباسي وحسن أفندي كاتب الشهر ومحمد أفندي ثاني قلفة وباش جاجرت والشيخ قاسم المصلي وغيرهم وذلك أنهم كانوا بقلعة يافا فلما حاصرها الفرنساوية وملكوا القلعة والبلد لم يتعرضوا للمصريين وطلبهم إليه وعاتبهم على نقلهم وخروجهم من مصر وألبسهم ملابس وأنزلهم في مركب وأرسلهم الى دمياط من البحر‏.‏

وفي يوم الاثنين 25 شهر شوال سنة 1213‏هـ - 1 أبريل 1799 م نادوا في الأسواق على المماليك والغز والأجناد الأغراب بأنهم يحضرون الى بيت الوكيل ويأخذون لهم أورقًا بعد معرفتهم والتضمين على أنفسهم ومن وجد من غير وثيقة في يده بعد ذلك يستأهل الذي يجري عليه وسبب ذلك إشاعة دخول الكثير منهم الى مصر خفية بصفة فلاحين


وفي يوم الثلاثاء 26 شهر شوال سنة 1213‏هـ - 2 أبريل 1799 م نادوا في الأسواق والشوارع بأن من أراد الحج فليحج في البحر من السويس صحبة الكسوة والصرة وذلك بعد أن عملوا مشورة في ذلك‏.‏ وفي وفيه حضر إمام كتخدا الباشا ومعه مكتوب فيه الثناء على الفرنساوية وشكر صنيعهم واعتنائهم بعملهم موكب الكسوة والدعاء لهم وأنه مستمر على مودته ومحبته معهم ويطلب منهم الإجازة بالحضور الى مصر ليسافر بصحبة الكسوة والحجاج فإن الوقت ضاق ودخل أوان السفر للحج وفي آخر المكتوب‏:‏ وإن بلغكم من المنافقين عنا شيء فهو كذب ونميمة فلا تصدقوه فقرئ كتابه بالديوان فلما فهمه الفرنسيس كذبوه ولم يصغوا إليه وقالوا إن خيانته ثبتت عندنا فلا ينفعه هذا الاعتذار ثم كتبوا له جوابًا وأرسلوه صحبة إمامه مضمونه إن كان صادقًا في مقالته فليذهب الى جهة ساري عسكر بالشام وأمهلوه ست ساعات بعد وصول الجواب إليه وإن تأخر زيادة عليها كان كاذبًا في مقالته وأمروا العسكر بمحاربته والقبض عليه‏.‏
وفيه كتبوا أوراقًا ونادوا بها في الشوارع وهي‏:‏ يا أهل مصر نخبركم أن أمير الحاج رفعوه عن سفره بالحاج بسبب ما حصل منه وأن أهل مصر علماء ووجاقات ورعايا لم يخالطوه في هذا الأمر ولم ينسب لهم شيء فالحمد لله الذي برأ أهل مصر من هذه الفتنة وهم حاضرون سالمون غانمون ما عليهم سوء ومن كان مراده الحج يؤهل نفسه ويسافر صحبة الصرة والكسوة في البحر والمراكب حاضرة والمعينون المحافظون من أهل مصر صحبة الحاج حاضرون يكون في علمكم أن تكونوا مطمئنين واتركوا كلام الحشاشين‏.‏





10 
LoVe My LiFe

الإنسحاب من عكا

تقدم علم الفلك عند الفرنسيين
وفي يوم السبت غايته شهر شوال سنة 1213‏هـ - 5 أبريل 1799 م حضر المشايخ والوجاقات والتجار ما خلا القاضي فإنه لم يحضر وتخلف مع مصطفى كتخدا وانقضى هذا الشهر وما تجدد به من الحوادث التي منها أن الفرنساوية عملوا جسرًا من مراكب مصطفة وعليها أخشاب مسمرة من بر مصر بالقرب من قصر العيني الى الروضة قريبًا من موضع طاحون الهواء تسير عليه الناس بدوابهم وأنفسهم الى البر الآخر وعملوا كذلك جسرًا عظيمًا من الروضة الى الجيزة‏.‏
ومنها أن توت الفلكي رسم في فسحة دارهم العليا ببيت حسن كاشف جركس خطوط البسيطة لمعرفة فضل الدائر لنصف النهار على البلاط المفروش بطول الفسحة ووضع لها بدل الشاخص دائرة مثقوبة بثقب عديدة في أعلى الرفوف مقابلة لعرض الشمس ينزل الشعاع من تلك الثقب ويمر على الخطوط المرسومة المقسومة ويعرف منه الباقي للزوال ومدارات البروج شهرًا شهرًا وعلى كل برج صورته ليعلم منه درجة الشمس ورسم أيضًا مزولة بالحائط الأعلى على حوش المكان الأسفل المشترك بين الدارين بشاخص على طريق وضع المنحرفات والمزاول ولكن لساعات قبل الزوال وبعده خلاف الطريق المعروفة عندنا بوقت العصر وفضل دائر الغروب وقوس الشفق والفجر وسمت القبلة وتقسيم الدرج وأمثال ذلك لأجل تحقيق أوقات العبادة وهم لا يحتاجون الى ذلك فلم يعانوه ورسم أيضًا بسيطة على مربعة من نحاس أصفر منزلة بخطوط عديدة في قاعدة عامود قصير طوله أقل من قامة قايم بوسط الجنينة وشاخصها مثلث من حديد يمر ظل طرفه على الخطوط المتقاطعة وهي متقنة الرسم والصناعة وحولها معاريفها واسم واضعها بالخط الثلث العربي المجود حفرًا في النحاس وفيها تنازيل الفضة على طريقة أوضاع العجم وغير ذلك‏.‏
ومنها أنهم لما سخطوا على كتخدا الباشا وقبضوا على أتباعه وسجنوهم وفيهم كتخداه الذي كان ناظرًا على الكسوة فقيدوا في النظر على مباشرة إتمامها صاحبنا السيد اسمعيل الوهبي المعروف بالخشاب أحد العدول بالمحكمة فنقلها لبيت أيوب جاويش بجوار مشهد السيدة زينب وتمموها هناك وأظهروا أيضًا الاهتمام بتحصيل مال الصرة وشرعوا في تحرير دفتر الإرسالية الخاصة‏.‏
واستهل شهر القعدة بيوم الأحد سنة 1213 هـ


الجهاد أفضل من الحج
في يوم الجمعة 6 شهر ذو القعدة سنة 1213‏هـ - 11 أبريل 1799 م حضرت هجانة من الفرنسيس ومعهم مكاتبة مضمونها أنهم أخذوا حيفا وبعدها ركبوا على عكا وضربوا عليها وهدموا جانبًا من سورها وأنهم بعد أربعة وعشرين ساعة يملكونها وأنهم استعجلوا في إرسال هذه الهجانة لطول المدة والانتظار لئلا يحصل لأصحابهم القلق فكونوا مطمئنين وبعد سبعة أيام نحضر عندكم بسلام‏.‏
وفيه حضرت مغاربة حجاج الى بر الجيزة فتحدث الناس وكثر لغطهم وتقولوا بأنهم عشرون ألفًا حضروا لينقذوا مصر من الفرنسيس فأرسل الفرنسيس للكشف عليهم فوجدوهم طائفة من خلايا وقرى فاس مثل الفلاحين فأذنوا لهم في تعدية بعض أنفار منهم لقضاء أشغالهم فحضر شخص منهم الى الفرنسيس ووشى إليهم أنهم قدموا لمحاربهتم والجهاد فيهم وأنهم اشتروا خيلًا وسلاحًا وقصدهم إثارة فتنة فأرسل الفرنسيس إليهم جماعة ينظرون في أمرهم فذهبوا إليهم وتكلموا معهم ومع كبيرهم وعن الذي نقل عنهم فقالوا‏:‏ إنما جئنا بقصد الحج لا لغيره‏.‏
ثم رجعوا وصحبتهم كبير المغاربة فعملوا الديوان في صبحها وأحضروه وكذلك أحضروا الرجل الذي وشى عليهم فتكلموا مع كبير المغاربة وسألوه وناقشوه فقال‏:‏ إنا لم نأت إلا بقصد الحج فقيل له ولأي شيء تشترون الأسلحة والخيول فقال نعم لازم لنا ذلك ضرورة فقيل له إنه نقل عنكم أنكم تريدون محاربة الفرنساوية وتقولون الجهاد أفضل من الحج فقال هذا كلام لا أصل له فقيل له إن الناقل لذلك رجل منكم فقال إن هذا الرجل حرامي أمسكناه بالسرقة وضربناه فحمله الحقد على ذلك وإن هذه البلاد ليست لنا ولا لسلطاننا حتى نقاتل عليها ولا يصح أن نقاتلكم بهذه الشرذمة القليلة وليس معنا إلا نصف قنطار بارود ثم اتفقوا معه على أن يجمعوا سلاحهم ويقيم كبيرهم عندهم رهينة حتى يعدى جماعته ويسافروا ويلحقهم بعد يومين بالسلاح فأجابهم الى ذلك فشكروه وأهدوا له هدية


فلما كان يوم السبت 7 شهر ذو القعدة سنة 1213‏هـ - 12 أبريل 1799 م خرجت عدة من العسكر الى بولاق ومعهم مدفعان ليقفوا للمغاربة حتى يعدوا البحر ويمشوا معهم الى العادلية فلما رأى الناس خروج العسكر والمدافع فزعوا في المدينة وبولاق ورمحوا كعادتهم في كرشاتهم وصياحهم وأشاعوا أن الفرنسيس خرجت لقتال المغاربة فأغلقوا غالب الأسواق والدكاكين وأمثال ذلك من تخيلاتهم فلم يعد المغاربة ذلك اليوم وعدوا في ثاني يوم ومشى معهم عسكر الفرنسيس الى العادلية وهم يضربون الطبول وأمامهم مدفع وخلفهم مدفع مع جملة من العساكر‏.‏
وفي يوم الثلاثاء 10 شهر ذو القعدة سنة 1213‏هـ - 15 أبريل 1799 م سافر عدة من عسكر الفرنسيس الى عرب الجزيرة فإن مصطفى بك كتخدا الباشا ذهب إليهم والتجأ لهم فعينوا عليهم تلك العساكر‏.‏
وفي يوم الأربعاء 12 شهر ذو القعدة سنة 1213‏هـ - 17 أبريل 1799 م أفرجوا عن جماعة من القليونجية وغيرهم الذين كانوا محبوسين بالقلعة وفيهم المعلم نقولا النصراني الأرمني الذي كان رئيس مركب مراد بك الحربية التي أنشأها بالجيزة وأسكنوه ببيت حسن كتخدا بباب الشعرية‏.‏
وفيه حضر بن شديد شيخ عرب الحويطات بأمان وكان عاصيًا فأعطوه الأمان وخلعوا عليه وسفروا معه قافلة دقيق وبقسماط العسكر بالشام‏.‏
وفي يوم السبت 21 شهر ذو القعدة سنة 1213‏هـ - 26 أبريل 1799 م حضر مجلون من الناحية القبلية وصحبته أموال البلاد والغنائم من بهائم وخلافها‏.‏
وفيه عملوا كرنتيلة عند العادلية لمن يأتي من بر الشام من العسكر الى ناحية شرق اطفيح بسبب محمد بيك الألفي‏.‏ ( الصورة المقابلة : مراكب الفرنسيين فى الميناء ) .‏
وفيه حضر الذين كانوا ذهبوا الى عرب الجزيرة فضربوهم ونالوا منهم بعض النيل وأما مصطفى بك فلم تعلم عنه حقيقة حال قيل إنه ذهب الى الشام‏.‏
وفي 25 شهر ذو القعدة سنة 1213‏هـ -30 أبريل 1799 م وصلت مراسلة من المذكور خطابًا للمشايخ بالشام ويرجون الإفراج عن قريبه وكتخدائه ويتحفظون على الأمتعة التي أخذوها فإنها من متعلقات الدولة فلما أطلعوهم على تلك المكاتبة قالوا لا يمكن الإفراج عن المذكورين حتى نتحقق أنه ذهب الى ساري عسكر ويأتينا منه خطاب في شأنه فإنه من الجائز أنه يكذب في قوله‏.‏
وفيه ثبت أن محمد بك الألفي مر من خلف الجبل وذهب الى عرب الجزيرة ومعه من جماعته نحو المائة وقيل أكثر والتف عليه الكثير من الغز والمماليك المشردين بتلك النواحي وقدم له


وفي 27 شهر ذو القعدة سنة 1213‏هـ - 2 مايو 1799 م لخص الفرنساوية طومارًا قرئ بالديوان وطبع منه عدة نسخ وألصقت بالأسواق على العادة وكان الناس أكثروا من اللغط بسبب انقطاع الأخبار عن الفرنسيس المحاصرين لعكا والروايات عمن بالصعيد والكيلاني والأشراف الذين معه وغير ذلك‏.‏
وصورتها‏:‏


من محفل الديوان الكبير بمصر بسم الله الرحمن الرحيم ولا عدوان إلا على الظالمين

نخبر أهل مصر أجمعين أنه حضر جواب من عكا من حضرة ساري عسكر الكبير خطابًا منه الى حضرة ساري عسكر الوكيل بثغر دمياط تاريخه تاسع القعدة سنة تاريخه‏.‏
يخبر فيه أننا أرسلنا لكم نقيرتين لدمياط الأولى أرسلنا في خمسة وعشرين شوالًا والثانية في ثمانية وعشرين منه أخبرناكم فيهما عن مطلوبنا إرسال جانب جلل وذخائر الى عساكرنا المحافظين في غزة ويافا لأجل زيادة المحافظة والصيانة وأما من قبل العرضي فإن الجلل عندنا كثيرة والذخائر والمآكل والمشارب والخيرات غزيرة حتى أنها زادت عندنا الجلل بكثرة جمعناها مما رمته الأعداء فكأن أعداءنا أعانونا ونخبركم أننا عملنا لغمًا مقدار عمقه ثلاثون قدمًا وسرنا به حتى قربناه الى السور الجواني بمسافة نحو ثمانية عشر قدمًا وقد قربت عساكرنا من الجهة التي تحارب فيها حتى صار بينهم وبين السور ثمانية وأربعون قدمًا بمشيئة الله تعالى عند وصول كتابنا إليكم وقبل إتمام قراءته عليكم نكون ظافرين بملك قلعة عكا أجمعين فإننا تهيأنا الى دخولها يأتيكم خبر ذلك بعد هذا الكتاب وأما بقية إقليم الشام وما يلي عكا من البلاد فإنهم لنا طائعون وبالاعتناء ومزيد المحبة راغبون يأتوننا بكل خير عظيم ويحضرون لنا أفواجًا بالهدايا الكثيرة والحب الجسيم من القلب السليم وهذا من فضل الله علينا ومن شدة بغضهم الجزار باشا ونخبركم أيضًا أن الجنرال بونوت انتصر على أربعة آلاف مقاتل حضروا من الشام خيالة ومشاة فقابلهم بثلثمائة عسكري مشاة من عسكرنا فكسروا التجريدة المذكورة وأوقع منهم نحو ستمائة نفس ما بين مقتول ومجروح وأخذ منهم خمسة بيارق وهذا أمر عجيب لم يقع نظيره في الحروب أن ثلثمائة نفس تهزم نحو أربعة آلاف نفس فعلمنا أن النصرة من عند الله لا بالقلة ولا بالكثرة هذا آخر كتاب ساري عسكر الكبير الى وكيله بدمياط وأرسل إلينا بالديوان حضرة الوكيل ساري عسكر دوجا الوكيل بمصر المحروسة يخبرنا بصورة هذا المكتوب ويأمرنا أننا نلزم الرعايا من أهل مصر والأرياف أن يلزموا الأدب والإنصاف ويتركوا الكذب والخراف فإن كلام الحشاشين يوقع الضرر للناس المعتبرين فإن حضرة ساري عسكر دوجا الوكيل بلغه أن أهل مصر وأهل الأرياف يتكلمون بكلام لا أصل له من قبل الأشراف والحال أن الأشراف الذين يذكرونهم ويكذبون عليهم جاءت أخبارهم من حضرة ساري عسكر الصعيد يخبر الوكيل دوجا بأن الأشراف المذكورين الذين صحبة الكيلاني قد مزقوا كل ممزق وانهزموا وتفرقوا فلم يكن الآن في بلاد الصعيد شيء يخالف المراد وسلم من الفتن والعناد فأنتم يا أهل مصر ويا أهل الأرياف اتركوا الأمور التي توقعكم في الهلاك والتلاف وامسكوا أدبكم قبل أن يحل بكم الدمار ويلحقكم الندم والعار والأولى للعاقل اشتغاله بأمر دينه ودنياه وأن يترك الكذب وأن يسلم لأحكام الله وقضاه فإن العاقل يقرأ العواقب وعلى نفسه يحاسب هذا شأن أهل الكمال يتركون القيل والقال ويشتغلون بإصلاح الأحوال ويرجعون الى الكبير المتعال والس
لام‏.‏

وفي هذا الشهر كتبوا أوراقًا بأوامر ونصها‏:‏


من محفل الديوان العمومي الى جميع سكان مصر وبولاق ومصر القديمة إننا قد تأملنا وميزنا أن الواسطة الأقرب والأيمن لتلطيف أو لمنع الخطر الضروري وهو تشويش الطاعون عدم المخالطة مع النساء المشهورات لأنهن الواسطة الأولى للتشويش المذكور فلأجل ذلك حتمنا ورتبنا ومنعنا الى مدة ثلاثين يومًا من تاريخه أعلاه لجميع الناس إن كان فرنساويًا أو مسلمًا أو روميًا أو نصرانيًا أو يهوديًا من أي ملة كان كل من أدخل الى مصر أو بولاق أو مصر القديمة النساء المشهورات إن كان في بيوت العسكر أو من كان داخل المدينة فيكون قصاصه بالموت كذلك من قبل النساء والبنات المشهورات بالعسكر إن دخلن من أنفسهن أيضًا يقاصصن بالموت‏.‏
الأنكليز يهاجمون ميناء القلزم ويصادرون مركب تحمل بن
من حوادث هذا الشهر أنه حضر الى القلزم مركبان انكليزيان وقيل أربعة ووقفوا قبالة السويس وضربوا مدافع ففر أناس من سكان السويس الى مصر وأخبروا بذلك أنهم صادفوا بعض داوات تحمل البن والتجارة فحجزوها ومنعوها من الدخول الى السويس‏( الصورة المقابلة : ميناء وقلعة السويس أيام الإحتلال الفرنسي ) .‏


وفيه حضر الى السويس تسعة داوات بها بن وبهار وبضائع تجارية وفيها لشريف مكة نحو خمسمائة فرق بن وكانت الانكليز منعتهم الحضور فكاتبهم الشريف فأطلقوهم بعد أن حددوا عليهم أيامًا مسافة التنقيل والشحنة وأخذوا منهم عشورًا وسامح الفرنسيس بن الشريف من العشور لأنه أرسل لهم مكاتبة بسبب ذلك وهدية قبل وصول المراكب الى السويس بنحو عشرين يومًا وطبعوا صورتها في أوراق وألصقوها بالأسواق وهي خطاب لبوسليك‏.‏
قلاقل من عرب البحيرة والألفى ضد الفرنسيين
ومنها أن طائفة من عرب البحيرة يقال لهم عرب الغز جاءوا وضربوا دمنهور وقتلوا عدة من الفرنسيس وعاثوا في نواحي تلك البلاد حتى وصلوا الى الرحمانية ورشيد وهم يقتلون من يجدونه من الفرنسيس وغيرهم وينهبون البلاد والزروعات‏.‏
ومنها أن الكيلاني المذكور آنفًا توفي الى رحمة الله تعالى وتفرقت طائفته في البلاد حتى أنه حضر منهم جملة الى مصر وكان أكثر من يخامر عليهم أهل بلاد الصعيد فيوهمونهم معاونتهم وعند الحروب يتخلون عنهم وبعض البلاد يضيفون ويسلط عليهم الفرنسيس فيقبضون عليهم‏ ( الصورة المقابلة لعرب البحيرة ) .‏
ومنها أنه حضر الى مصر الأكثر من عسكر الفرنسيس الذين كانوا بالجهة القبلية وضربوا في حال رجوعهم بني عدي من بلاد الصعيد مشهورة وكان أهلها ممتنعين عليهم في دفع المال والكلف ويرون في أنفسهم الكثرة والقوة والمنعة فخرجوا عليهم وقاتلوهم فملك عليهم الفرنسيس تلًا عاليًا وضربوا عليهم بالمدافع فأتلفوهم وأحرقوا جرونهم ثم كبسوا عليهم وأسرفوا في قتلهم ونهبهم وأخذوا شيئًا كثيرًا وأموالًا عظيمة وودائع جسيمة للغز وغيرهم من مساتير أهل البلاد القبلية لظن منعتهم وكذلك فعلوا بالميمون‏.‏
في 2 شهر ذو الحجة سنة 1213‏هـ - 7 مايو 1799 م خرج نحو الألف من عسكر الفرنسيس للمحافظة على البلاد الشرقية لتجمع العرب والمماليك على الألفي وكذلك تجمع الكثير من الفرنسيس وذهبوا الى جهة دمنهور وفعلوا بها ما فعلوا في بني عدي من القتل والنهب لكونهم عصوا عليهم بسبب أنه ورد عليهم رجل مغربي يدعى المهدوية ويدعو الناس ويحرضهم على الجهاد وصحبته نحو الثمانين نفرًا فكان يكاتب أهل البلاد ويدعوهم الى الجهاد فاجتمع عليه أهل البحيرة وغيرهم وحضروا الى دمنهور وقاتلوا من بها من الفرنساوية واستمر أيامًا كثيرة تجتمع عليه أهل تلك النواحي وتفترق والمغربي المذكور تارة يغرب وتارة يشرق‏.‏
وفيه أشيع أن الألفي حضر الى بلاد الشرقية وقاتل من بها من الفرنسيس ثم ارتحل الى الجزيرة‏.‏
وفي 7 ذو الحجة سنة 1213‏هـ - 12 مايو 1799 م حضر جماعة من فرنسيس الشام الى الكرنتيلة بالعادلية وفيهم مجاريح وأخبر عنهم بعضهم أن الحرب لم تزل قائمة بينهم وبين أحمد باشا بعكا وأن مهندس حروبهم المعروف بأبي خشبة عند العامة واسمه كفرللي مات وحزنوا لموته لأن كان من دهاتهم وشياطينهم وكان له معرفة بتدبير الحروب ومكايد القتال وإقدام عن المصاف مع ما ينضم لذلك من معرفة الأبنية وكيفية وضعها وكيفية أخذ القلاع ومحاصرتها‏.‏
حادثة المملوك والجهاد الذى يضحى بالفرنسيين لله
وفي يوم الأربعاء 9 ذو الحجة سنة 1213‏هـ - 14 مايو 1799 م مكان عيد النحر وكان حقه يوم الخميس وعند الغروب من تلك الليلة ضربوا مدافع من القلعة أعلامًا بالعيد وكذلك عند الشروق ولم يقع في ذلك العيد أضحية على العادة لعدم المواشي لكونها محجزوة في الكرنتيلة في شغل عن ذلك‏.‏
ومن الحوادث في ذلك اليوم أن رجلًا روميًا من باعة الرقيق عنده غلام مملوك ساكن في طبقة بوكالة ذي الفقار بالجمالية خرج لصلاة العيد ورجع الى طبقته فوجد ذلك الغلام متقلدًا بسلاح ومتزييًا بمثل ملابس القليونجية فقال له من أين لك هذا اللباس فقال من عند جارنا فلان العسكري فأمره بنزع ذلك لم يستمع له ولم ينزعها فشتمه ولطمه على وجهه فخرج من الطبقة وحدثته نفسه بقتل سيده ورجع يريد ذلك فوجد عند سيده ضيفًا فلم يتجاسر عليه لحضور ذلك الضيف فوقف خارج الباب ورآه سيده فعرف من عينه الغدر فلما قام ذلك الضيف قام معه وخرج وأغلق الباب على الغلام فصعد الغلام على السطح وتسلق الى سطح آخر ثم تدلى بحبل الى أسفل الخان وخرج الى السوق وسيفه مسلول بيده ويقول‏:‏ الجهاد يا مسلمين اذبحوا الفرنسيس ونحو ذلك من الكلام ومر الى جهة الغورية فصادف ثلاثة أشخاص من الفرنسيس فقتل منهم شخصًا وهرب الإثنان ورجع على إثره والناس يعدون خلفه من بعد الى أن وصل الى درب بالجمالية غير نافذ فدخله وعبر الى دار وجدها مفتوحة وربها واقف على بابها والفرنسيس تجمع منهم طائفة وظنوا ظنونًا أخر وبادروا الى القلاع وحضرت منهم طائفة من القلق يسألون عن ذلك المملوك وهاجت العامة ورمحت الصغار وأغلق بعض الناس حوانيتهم ثم لم تزل الفرنسيس تسأل عن ذلك المملوك والناس يقولون لهم ذهب من هنا حتى وصلوا الى ذلك الدرب فدخلوه فلما أحس بهم نزع ثيابه وتدلى ببئر في تلك الدار فدخلوا الدار وأخرجوه من البئر وأخذوه وسكنت الفتنة فسألوه عن أمره وما السبب في فعله ذلك‏.‏
فقال إنه يوم الأضحية فأحببت أن أضحي على الفرنسيس وسألوه عن السلاح فقال إنه سلاحي فجسوه لينظروا في أمره وطلبوا سيده فوجدوه عند الشيخ المهدي وأخذوا بعض جماعة من أهل الخان ثم أطلقوهم بدون شرر وأخذوا سيده من عند المهدي وحبسوه وحضر الآغا وبرطلمين الى الخان بعد العشاء وطلبوا البواب والخانجي والجيران وصعدوا الى الطباق وفتشوا على السلاح حتى قلعوا البلاط فلم يجدوا شيئًا وأرادوا فتح الحواصل فمنعهم السيد أحمد بن محمود محرم فخرجوا وأخذوا معهم الخانجي وجيران الطبقة وجملة أنفار وحبسوهم أيضًا وقتلوا المملوك في ثاني يوم واستمر الجماعة في الحبس الى أن أطلقوهم بعد أيام عديدة من الحادثة‏.


مسلم يضرب نصرانى لأنه يركب حمارة أمام المشهد الحسينى
وفي ذلك اليوم أيضًا مر نصراني من الشوام على المشهد الحسيني وهو راكب على حمار فرآه ترجمان ضابط الخطة ويسمى السيد عبد الله فأمره بالنزول إجلالًا للمشهد على العادة ( الصورة المقابلة للنصرانى المضروب ) ‏.‏
فامتنع فانتهزه وضربه وألقاه على الأرض فذهب ذلك النصراني الى الفرنسيس وشكا إليهم السيد عبد الله المذكور فأحضروه وحبسوه فشفع فيه مخدومه فلم يطلقوه وادعى النصراني أنه كان بعيدًا عن المشهد وأحضر من شهد له بذلك وأن السيد عبد الله متهور في فعله وادعى أنه ضاع له وقت ضربه دراهم كانت في جيبه واستمر الترجمان محبوسًا عدة أيام حتى دفع تلك الدراهم وهي ستة آلاف درهم‏.‏
وفيه أرسل فرنسيس مصر الى رئيس الشام ميرة على جمال العرب نحو الثمانمائة جمل وذهب صحبتها برطلمين وطائفة من العسكر فأوصلوها الى بلبيس ورجعوا بعد يومين‏.‏
من هو أبى الذهب ؟

ومات الأمير ابراهيم بك الصغير المعروف بالوالي وهو من مماليك محمد بك أبي الذهب‏.‏
وتقلد الزعامة بعد موت أستاذه ثم تقلد الإمارة والصنجقية في أواخر جمادى الأولى سنة 1192‏.‏
وهو أخو سليمان بك المعروف بالآغا وعندما كان هو واليًا كان أخوه أغات مستحفظان وأحكام مصر والشرطة بينهما وفي سنة سبع وتسعين تعصب مراد بك وابراهيم بك على المترجم وأخرجوه منفيًا هو وأخوه سليمان بك وأيوب بك الدفتردار ولما أمروه بالخروج ركب في طوائفه ومماليكه وعدى الى بر الجيزة فركب خلفه علي بك أباظة ولاجين بك ولحقوا حملته عند المعادي فحجزوها وأخذوها وأخذوا هجنه ومتاعه وعدوا خلفه فأدركوه عند الأهرام فاحتالوا عليه وردوه الى قصر العيني ثم سفروه الى ناحية السرو ورأس الخليج فأقام بها أيامًا وكان أخوه سليمان بك بالمنوفية فلما أرسلوا بنفيه الى المحلة ركب بطوائفه وحضر الى مسجد الخضيري وحضر إليه أخوه المترجم وركبا معًا وذهبا الى جهة البحيرة ثم ذهبا الى طندتا ثم ذهبا الى شرقية بلبيس ثم توجها من خلف الجبل الى جهة قبلي وكان أيوب بك بالمنصورة فلحق بهما أيضًا وكان بالصعيد عثمان بك الشرقاوي ومصطفى بك فالتفا عليهما وعصى الجميع وأرسل مراد بك وابراهيم بك محمد كتخدا أباظة وأحمد آغا شويكار الى عثمان بك ومصطفى بك يطلبانهما الى الحضور فأبيا وقالا‏:‏ لا نرجع الى مصر إلا بصحبة إخواننا وإلا فنحن معهم أينما كانوا ورجع المذكوران بذلك الجواب فجهزوا لهم تجريدة وسافر بها ابراهيم بك الكبير وضمهم وصالحهم وحضر بصحبة الجميع الى مصر فحنق مراد بك ولم يزل حتى خرج مغضبًا الى الجيزة ثم ذهب الى قبلي وجرى بينهما ما تقدم ذكره من إرسال الرسل ومصالحة مراد بك ورجوعه وإخراج المذكورين ثانيًا فخرجوا الى ناحية القليوبية وخرج مراد بك خلفهم ثم رجعوهم الى جهة الأهرام وقبض مراد بك عليهم ونفيهم الى جهة بحري وأرسل المترجم الى طندتا ثم ذهبوا الى قبلي خلا مصطفى بك وأيوب بك ثم رجعوا الى مصر بعد خروج مراد بك الى قبلي واستمر أمرهم على ما ذكر حتى ورد حسين باشا وخرج الجميع وجرى ما تقدم ذكره وتولى المترجم إمارة الحاج ولم يسافر به ولما رجعوا الى مصر بعد الطاعون وموت اسمعيل بك ورجب بك صاهره ابراهيم بك الكبير وزوجه ابنته كما تقدم ولم يزل في سيادته وإمارته حتى حضر الفرنساوية ووصلوا الى بر انبابة ومات هو في ذلك اليوم غريقًا ولم تظهر رمته وذلك يوم السبت سابع صفر من السنة‏.‏
********************************************


الأسباب التى دعلت نابليون بونابرت للأنسحاب من مهاجمة عكا
ثم دخلت سنة أربع عشر ومائتين وألف استهل شهر المحرم بيوم الأربعاء 1 المحرم 1214 5 بونية 1799 م فيه حضر جماعة من الفرنسيس الى العادلية فضربوا خمسة مدافع لقدومهم فلما كان في ثاني يوم عملوا الديوان وأبرزوا مكتوبًا مترجمًا ونسخته‏:‏ صورة جواب من العرضي قدام عكا وفي سابع عشرين فريبال الموافق لحادي عشر شهر الحجة 1213 من بونابارته ساري عسكر أمير الجيوش الفرنساوية الى محفل ديوان مصر نخبركم عن سفره من بر الشام الى مصر فإني بغاية العجلة بحضوري لطرفكم نسافر بعد ثلاثة أيام تمضي من تاريخه ونصل عندكم بعد خمسة عشر يومًا وجائب معي جملة محابيس بكثرة وبيارق ومحقت سراية الجزار وسور عكا وبالقنبر هدمت البلد ما أبقيت فيها حجرًا على حجر وجميع سكانها انهزموا من البلد الى طريق البحر والجزار مجروح ودخل بجماعته داخل برج من ناحية البحر وجرحه يبلغ لخطر الموت ومن جملة ثلاثين مركبًا موسوقة عساكر الذين حضروا يساعدون الجزار ثلاثة غرقت من كثرة مدافع مراكبنا وأخذنا منها أربعة موقرة مدافع والذي أخذ هذه الأربعة فرقاطة من بتوعنا والباقي تلف وتبهدل والغالب منهم عدم وإني بغاية الشوق الى مشاهدتكم لأني بشوف أنكم عملتم غاية جهدكم من كل قلبكم لكن جملة فلاتية دائرون بالفتنة لأجل ما يحركون الشر في وقت دخولي كل هذا يزول مثل ما يزول الغيم عند شروق الشمس ومنتوره مات من تشويش هذا الرجل صعب علينا جدًا والسلام‏.‏
منتوره هذا ترجمان ساري عسكر وكان لبيبًا متبحرًا ويعرف باللغة التركية والعربية والرومية والطلياني والفرنساوي ولما عجز الفرنساوية عن أخذ عكا وعزموا على الرجوع الى مصر أرسل بونابارته مكاتبة الى الفرنساوية المقيمين بمصر يقول فيها إن الأمر الموجب للانتقال عن محاصرة عكا خمسة عشر سببًا‏.‏
الأول الإقامة تجاه البلدة وعدم الحرب ستة أيام الى أن جاءت الانكليز وحصنوا عكا باصطلاح الإفرنج‏.‏
الثاني الستة مراكب التي توجهت من الاسكندرية فيها المدافع الكبار أخذها الانكليز قدام يافا‏.‏
الثالث الطاعون الذي وقع في العسكر ويموت كل يوم خمسون وستون عسكريًا‏.‏
الرابع عدم الميرة لخراب البلاد قريب عكا‏.‏
السادس بلغنا توجه أهل الحجاز صحبة الجيلاني لناحية الصعيد‏.‏
السابع المغربي محمد الذي صار له جيش كبير وادعى أنه من سلاطين المغرب‏.‏
الثامن ورود الانكليز تجاه الاسكندرية ودمياط‏.‏
التاسع ورود عمارة الموسقو قدام رودس‏.‏
العاشر ورود خبر نقض الصلح بين الفرنساوية والنيمساء‏.‏
الحادي عشر ورود جواب مكتوب منا لتيبو أحد ملوك الهند كنا أرسلناه قبل توجهنا لعكا‏.‏
وتيبو هذا هو الذي كان حضر الى اسلامبول بالهدية التي من جملتها طائران يتكلمان بالهندية والسرير والمنبر من خشب العود وطلب منه الإمداد والمعاونة على الانكليز المحاربين له في بلاده فوعدوه ومنوه وكتبوا له أوراقًا وأوامر وحضر الى وذلك في سنة 1202 أيام السلطان عبد الحميد وقد سبقت الإشارة إليه في حوادث تلك السنة وهو رجل كان مقعدًا تحمله أتباعه في تخت لطيف بديع الصنعة على أعناقهم ثم إنه توجه الى بلاد فرانسا واجتمع بسلطانها وذلك قبل حضوره الى مصر واتفق معه على أمر في السر لم يطلع أحد غيرهما ورجع الى بلاده على طريق القلزم فلما قدم الفرنساوية لمصر كاتبه كبيرهم بذلك السر لأنه اطلع عليه عند قيام الجمهور وتملكه خزانة كتب السلطان ثم إن تيبو المذكور بقي في حرب الانكليز الى أن ظفروا به الثاني عشر موت كفرللي الذي عملت المتاريس بمقتضي رأيه وإذا تولى أمرها غيره يلزم نقضها ويطول الأمر وكفرللي هذا هو المعروف بأبي خشبة المهندس‏.‏
الثالث عشر سماع أن رجلًا يقال له مصطفى باشا أخذه الانكليز من اسلامبول ومرادهم أن يرموه على بر مصر‏.‏
الرابع عشر أن الجزار أنزل ثقله بمراكب الانكليز وعزم على أنه عندما تملك البلد ينزل في مراكبهم ويهرب معهم‏.‏
الخامس عشر لزوم ومحاصرة عكا ثلاثة شهور أو أربعة وهو مضر لكل ما ذكرناه من الأسباب انتهى‏.‏وفي


يوم الثلاثاء 7 المحرم 1214 هـ - 6 بونية 1799 م حضر جماعة أيضًا من العسكر بأثقالهم
وحضرت مكاتبة من كبير الفرنساوية أنه وصل الى اصالحية وأرسل دوجا الوكيل ونبه على الناس بالخروج لملاقاته بموجب ورقة حضرت من عنده يأمر بذلك‏.‏
فلما كان ليلة الجمعة 10 المحرم 1214 هـ - 11 بونية 1799 م فى هذه الليلة أرسلوا الى المشايخ والوجاقات وغيرهم فاجتمعوا بالأزبكية وقت الفجر بالمشاعل ودقت الطبول وحضر الحكام والقلات بمواكب وطبول وزمور ونوبات تركية وطبول شامية وملازمون وجاويشية وغير ذلك وحضر الوكيل وقائمقام وأكابر عساكرهم وركبوا جميعًا بالترتيب من الأزبكية الى أن خرجوا الى العادلية فقابلوا ساري عسكر بونابارته هناك وسلموا عليه ودخل معهم الى مصر من باب النصر بموكب هائل بعساكرهم وطبولهم وزمورهم وخيولهم وعرباتهم ونسائهم وأطفالهم في نحو خمس ساعات من النهار الى أن وصل الى داره بالأزبكية وانفض الجمع وضربوا عدة مدافع عند دخولهم المدينة وقد تغيرت ألوان العسكر القادمين واصفرت ألوانهم وقاسوا مشقة عظيمة من الحر والتعب وأقاموا على حصار عكا أربعة وستين يومًا حربًا مستقيمًا ليلًا ونهارًا وأبلى أحمد باشا وعسكره بلاء حسنًا وشهد له الخصم‏.‏
وفيه قبضوا على اسمعيل القلق الخربطلي وهو المتولي كتخدا العزب وكان ساكنًا بخط الجمالية وأخذوا سلاحه وأصعدوه الى القلعة وحبسوه والسبب في ذلك أنه عمل في تلك الليلة وليمة ودعا أحبابه وأصدقاءه وأحضر لهم آلات اللهو والطرب وبات سهرانًا بطول الليل فلما كان آخر الليل غلب عليهم السهر والسكر فناموا الى ضحوة النهار وتأخر عن الملاقاة فلما أفاق ركب ولاقاهم عند باب النصر فنقموا عليه بذلك وفعلوا معه ما ذكر ولما وصل ساري عسكر الفرنساوية الى داره بالأزبكية تجمع هناك أرباب الملاهي والبهالوين وطوائف الملاعبين والحواة والقرادين والنساء الراقصات والخلابيض ونصبوا أراجيح مثل أيام الأعياد والمواسم واستمروا على ذلك ثلاثة أيام وفي كل يوم من تلك الأيام يعملون شنكًا وحراقات ومدافع وسواريخ ثم انفض الجمع بعد ما أعطاهم ساري عسكر دراهم وبقاشيش‏.‏


وفي يوم الأحد 15 المحرم 1214 هـ - 19 بونية 1799 م عزلوا دستان قائمقام وتولى عوضه دوجا الذي كان وكيلًا عن ساري عسكر‏.‏
وتهيأ المعزول للسفر الى جهة بحري وأصبح مسافرًا وصحبته نحو الألف من العسكر وسافر أيضًا منهم طائفة الى جهة البحيرة‏.‏
وفيه طلبوا من طوائف النصارى دراهم سلفة مقدار مائة وعشرين ألف ريال‏.‏
وفي يوم الأربعاء 15 المحرم 1214 هـ - 19 بونية 1799 م أرسلوا الى زوجات حسن بك الجداوي وختموا على دورهن ومتاعهن وطالبوهن بالمال وذلك لسبب أن حسن بك التف على مراد بك وصار يقاتل الفرنسيس معه‏.‏
وقد كانت الفرنسيس كاتبت حسن بك وأمنته وأقرته على ما بيده من البلاد وأن لا يخالف ويقاتل مع الأخصام فلم يقبل منهم ذلك فلما وقع لنسائه ذلك ذهبن الى الشيخ محمد المهدي ووقعن عليه فصالح عليهن بمبلغ ثلاثة آلاف فرانسة‏.‏
وفي وفي يوم الأحد 19 المحرم 1214 هـ - 23 بونية 1799 م هلك مخاييل كحيل النصراني الشامي وهو من رجال الديوان الخصوصي فجأة وذلك لقهره وغمه وسبب ذلك أنهم قرروا عليه في السلفة ستة آلاف ريال فرانسة وأخذ في تحصيلها ثم بلغه أن أحمد باشا الجزار قبض على شريكه بالشام واستصفى ما وجده عنده من وفيه كتبوا أوراقًا وطبعوها وألصقوها بالأسواق وذلك بعد أن رجعوا من الشام واستقروا وهي من ترصيف وتنميق بعض الفصحاء‏.‏
وصورتها‏:‏


من محفل الديوان الخصوصي بمحروسة مصر خطابًا لأقاليم مصر الشرقية والغربية والمنوفية والقليوبية والجيزة والبحيرة النصيحة من الإيمان قال تعالى في محكم القرآن‏:‏ ولا تتبعوا خطوات الشيطان وقال تعالى وهو أصدق القائلين في الكتاب المكنون‏:‏ ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون فعلى العاقل أن يتدبر في الأمور قبل أن يقع في المحذور نخبركم معاشر المؤمنين أنكم لا تسمعوا كلام الكاذبين فتصبحوا على ما فعلتم نادمين وقد حضر الى محروسة مصر المحمية أمير الجيوش الفرنساوية حضرة بونابارته محب الملة المحمدية ونزل بعسكره في العادلية سليمًا من العطب والأسقام ودخل الى مصر من باب النصر يوم الجمعة في موكب عظيم وشنك جليل فخيم وصحبته العلماء والوجاقات السلطانية وأرباب الأقلام الديوانية وأعيان التجار المصرية وكان يومًا عظيمًا مشهودًا وخرجت أهل مصر لملاقاته فوجدوه وهو الأمير الأول بذاته وصفاته وظهر لهم أن الناس يكذبون عليه شرح الله صدره للإسلام والذي أشاع عنه الأخبار الكاذبة العربان الفاجرة والغز الهاربة ومرادهم بهذه الإشاعة هلاك الرعية وتدمير أهل الملة الإسلامية وتعطيل الأموال الديوانية لا يحبون راحة العبيد وقد أزال الله دولتهم من شدة ظلمهم أن بطش ربك لشديد وقد بلغنا أن الألفي توجه الى الشرقية مع بعض المجرمين من عربان بلي والعيايدة الفجرة المفسدين يسعون في الأرض بالفساد وينهبون أموال المسلمين إن ربك لبالمرصاد ويزورون على الفلاحين المكاتيب الكاذبة ويدعون أن عساكر السلطان حاضرة والحال أنها ليس بحاضرة فلا أصل لهذا الخبر ولا صحة لهذا الأثر وإنما مرادهم وقوع الناس في الهلاك والضرر مثل ما كان يفعل ابراهيم بك في غزة حيث كان ويرسل فرمانات بالكذب والبهتان ويدعي أنها من طرف السلطان ويصدقه أهل الأرياف خسفاء العقول ولا يقرأون العواقب فيقعون في المصائب وأهل الصعيد طردوا الغز من بلادهم خوفًا على أنفسهم وهلاك عيالهم وأولادهم فإن المجرم يؤخذ مع الجيران وقد غضب الله على الظلمة ونعوذ بالله من غضب الديان فكان أهل الصعيد أحسن عقلًا من أهل بحري بسبب هذا الرأي السديد ونخبركم أن أحمد باشا الجزار سموه بهذا الاسم لكثرة قتله الأنفس ولا يفرق بين الأخيار والأشرار وقد جمع الطموش الكثيرة من العسكر والغز والعرب وأسافل العشيرة وكان مراده الاستيلاء على مصر وأقاليمها وأحبوا اجتماعهم عليه لأجل أخذ أموالها وهتك حريمها ولكن لم تساعده الأقدار والله يفعل ما يشاء ويختار وقد كان أرسل بعض هذه العساكر الى قلعة العريش ومراده أن يصل الى قطيا فتوجه حضرة ساري عسكر أمير الجيوش الفرنساوية وكسر عسكر الجزار الذين كانوا في العريش ونادوا‏:‏ الفرار الفرار بعدما حصل بعسكرهم القتل والدمار وكانوا نحو ثلاثة آلاف وملك قلعة العريش وأخذ غزة وهرب من كان فيها وفروا ولما دخل غزة نادى في رعيتها بالأمان وأمر بإقامة الشعائر الإسلامية وإكرام العلماء والتجار والأعيان ثم انتقل الى الرملة وأخذ ما فيها من بقسماط وأرز وشعير وقرب أكثر من ألفي قربة كبار كان قد جهزها الجزار لذهابه الى مصر ثم توجه الى يافا وحاصرها ثلاثة أيام ثم أخذها وأخذ ما فيها من ذخائر الجزار بالتمام ومن نحوسات أهلها أنهم لم يرضوا بأمانه ولم يدخلوا تحت طاعته وإحسانه فدور فيهم السيف من شدة غيظه وقوة بأسه وسلطانه وقتل منهم نحو أربعة آلاف أو يزيدون بعدما هدم سورها وأكرم من كان بها من أهل مصر وأطعمهم وكساهم وجهزهم في المراكب الى مصر وغفرهم بعسكره خوفًا عليهم من العربان وأجزل عطاياهم وكان في يافا نحو خمسة آلاف من عسكر الجزار هلكوا جميعًا وبعضهم ما نجاه إلا الفرار ثم توجه من يافا الى جبل نابلس فكسر من كان فيه من العساكر بمكان يقال له فاقوم وحرق خمسة بلاد من بلادهم وما قدر كان ثم أخرب سور عكا وهدم قلعة الجزار التي كانت حصينة لم يبق فيها حجر على حجر حتى إنه يقال كان هناك مدينة وقد كان بني حصارها وشيد بنيانها في نحو عشرين من السنين وظلم في بنيانها عباد الله وهكذا عاقبة بنيان الظالمين ولما توجه إليه أهل بلاد الجزار من كل ناحية كسرهم كسرة شنيعة فهل ترى لهم من باقية نزل عليهم كصاعقة من السماء ثم توجه راجعًا الى مصر المحروسة لأجل شيئين‏:‏ الأول‏:‏ أنه وعدنا برجوعه إلينا بعد أربعة أشهر والوعد عند الحردين‏.‏
والسبب الثاني‏:‏ أنه بلغه أن بعض المفسدين من الغز والعربان يحركون في غيابه الفتن والشرور في بعض الأقاليم والبلدان فلما حضر سكنت الفتنة وزالت الأشرار والفجرة من الرعية وحبه لمصر وأقاليمها شيء عجيب ورغبته في الخير لأهلها ونيلها بفكره وتدبيره المصيب ويرغب أن يجعل فيها أحسن التحف والصناعة ولما حضر من الشام أحضر معه جملة من الأسارى من خاص وعام وجملة مدافع وبيارق اغتنمها في الحروب من الأعداء والأخصام فالويل كل الويل لمن عاداه والخير كل الخيرلمن والاه فسلموا يا عباد الله وارضوا بتقدير الله وامتثلوا لأحكام الله ولا تسعوا في سفك دمائكم وهتك عيالكم ولا تتسببوا في نهب أموالكم ولا تسمعوا كلام الغز الهربانين الكاذبين ولا تقولوا إن في الفتنة إعلاء كلمة الدين حاشا الله لم يكن فيها إلا الخذلان وقتل الأنفس وذل أمة النبي عليه الصلاة والسلام‏.‏
والغز والعربان يطمعوكم ويغروكم لأجل أن يضروكم فينهبوكم وإذا كانوا في بلد وقدمت عليهم الفرنسيس فروا هاربين منهم كأنهم جند إبليس ولما حضر ساري عسكر الى مصر أخبر أهل الديوان من خاص وعام أنه يحب دين الإسلام ويعظم النبي عليه الصلاة والسلام ويحترم القرآن ويقرأ منه كل يوم بإتقان وأمر بإقامة شعائر المساجد الإسلامية وإجراء خيرات الأوقاف السلطانية وأعطى عوائد الوجاقلية وسعى في حصول أقوات الرعية فانظروا هذه الألطاف والمزية ببركة نبينا أشرف البرية وعرفنا أن مراده أن يبني لنا مسجدًا عظيمًا بمصر لا نظير له في الأقطار وأنه يدخل في دين النبي المختار عليه أفضل الصلاة وأتم السلام انتهى بحروفه‏.‏
وكان أشيع بمصر قبل مجيئهم وعودهم من الشام بأن ساري عسكر بونابارته مات بحرب عكا وتناقله الناس وأنهم ولوا أخلافه فهذا هو السبب في قولهم في ذلك الطومار‏:‏ وقد حضر سليمًا من العطب فوجدوه هو الأمير الأول بذاته وصفاته الى آخر السياق المتقدم‏.‏
وفي يوم الأربعاء 22 المحرم 1214 هـ - 26 بونية 1799 م أرسل ساري عسكر جماعة من العسكر وقبضوا على ملا زاده ابن قاضي العسكر ونهبوا بعضًا من ثيابه وكتبه وطلعوا به الى القلعة فانزعج عليه عياله وحريمه ووالدته انزعاجًا شديدًا وفي صبحها اجتمع أرباب الديوان بالديوان وحضر إليهم ورقة من كبير الفرنسيس قرئت عليهم مضمونها أن ساري عسكر قبض على ابن القاضي وعزله وأنه وجه إليكم أن تقترعوا وتختاروا شيخًا من العلماء يكون من أهل مصر ومولودًا بها يتولى القضاء ويقضي بالأحكام الشرعية كما كانت الملوك المصرية يولون القضاء برأي العلماء للعلماء فلما سمعوا ذلك أجاب الحاضرون بقولهم‏:‏ إننا جميعًا نتشفع ونترجى عنده في العفو عن ابن القاضي فإنه إنسان غريب ومن أولاد الناس الصدور وإن كان والده وافق كتخدا الباشا في فعله فولده مقيم تحت أمانكم والمرجو انطلاقه وعوده الى مكانه فإن والدته وجدته وعياله في وجد وحزن عظيم عليه وساري عسكر من أهل الشفقة والرحمة وتكلم الشيخ السادات بنحو ذلك وزاد في القول بأن قال‏:‏ وأيضًا إنكم تقولوا دائمًا إن الفرنساوية أحباب العثمانية وهذا ابن القاضي من طرف العثملي فهذا الفعل مما يسيء الظن بالفرنساوية ويكذب قولهم وخصوصًا عند العامة فأجاب الوكيل بعدما ترجم له الترجمان بقوله لا بأس بالشفاعة ولكن بعد تنفيذ أمر ساري عسكر في اختيار قاض خلافه وألا تكونوا مخالفين ويلحكم الضرر بالمخالفة فامتثلوا وعملوا القرعة فطلعت الأكثرية باسم الشيخ أحمد العريشي الحنفي ثم كتبوا عرضحال بصورة المجلس والشفاعة وكتب عليه الحاضرون وذهب به الوكيل الى ساري عسكر وعرفه بما حصل وبما تكلم به الشيخ السادات فتغير خاطره عليه وأمر بإحضاره آخر النهار فلما حضر لامه وعاتبه فتكلم بينهما الشيخ محمد المهدي ووكيل الديوان الفرنساوي بالديوان حتى سكن غيظه وأمره بالانصراف الى منزله بعد أن عوقه حصة من الليل فلما أصبح يوم الجمعة عملوا جمعية في منزل دوجا قائمقام وركبوا صحبته الى بيت ساري عسكر ومعهم الشيخ أحمد العريشي فألبسه فروة مثمنة وركبوا جميعًا الى المحكمة الكبيرة بين القصرين ووعدهم بالإفراج عن ابن القاضي بعد أربع وعشرين ساعة وقد كانت عياله انتقلوا من خوفهم الى دار السيد أحمد المحروقي وجلسوا عنده ولما كان في ثاني يوم أفرجوا عنه ونزل الى عياله وصحبته أرباب الديوان والآغا ومشوا معه في وسط المدينة ليراه الناس ويبطل القيل والقال‏.‏
وفي تلك الليلة قتلوا شخصين‏:‏ أحدهما علي جاويش رئيس الريالة الذي كان بالاسكندرية عند حضور الفرنسيس والثاني قبطان آخره فلم يزالا بمصر يحبسونهما أيامًا ثم يطلقونهما فحبسوهما آخرًا فلم يطلقوهما حتى قتلوهما‏.‏
وفي صبيحة ذلك اليوم قتلوا شخصين أيضًا من الأتراك بالرميلة‏.‏ وفيه أفرجوا عن زوجات حسن بك الجداوي‏.‏
وفي يوم الثلاثاء 28 المحرم 1214 هـ - 2 بولية 1799 م جمعوا الوجاقلية وكتبوا أسماءهم‏.‏
وفي وفي يوم الأربعاء 29 المحرم 1214 هـ - 3 بولية 1799 م قبضوا على ثلاثة أنفار أحدهم يسمى حسن كاشف من أتباع أيوب بك الكبير وآخر يسمى أبو كلس والثالث رجل تاجر من تجار خان الخليلي يسمى حسين مملوك الدالي ابراهيم فسجنوهم بالقلعة فتشفع الشيخ السادات في حسين التاجر المذكور فأطلقوه على خمسة آلاف فرانسة‏.‏
وفي يوم الجمعة 1 صفر 1214 هـ - 5 بولية 1799 م فيه أفرجوا عن بعض قرابة كتخدا الباشا وكان محبوسًا بالجيزة ثم نقل الى القلعة مع كتخدا قريبه فأطلق وبقي الآخر‏.‏
وفي يوم الأحد 3 صفر 1214 هـ - 7 بولية 1799 م حضر السيد عمر أفندي نقيب الأشراف سابقًا من دمياط الى مصر وكان مقيمًا هناك من بعد واقعة يافا ونزل مع الذين أنزلوهم من يافا الى البحر وفيهم عثمان أفندي العباسي وحسن أفندي كاتب الشهر وأخوه قاسم أفندي وأحمد أفندي عرفة والسيد يوسف العباسي والحاج قاسم المصلي وغيرهم فمنهم من عوق بالكرنتيلة ومنهم من حضر من البر خفية فحضر بعض الأعيان لملاقاة السيد عمر وركبوا معه بعد أن مكث هنيهة بزاوية علي بك التي بساحل بولاق حتى وصل الى داره وتوجه في ثاني يوم مع المهدي وقابل ساري عسكر فبش له ووعده بخير ورد إليه بعض تعلقاته واستمر مقيمًا بداره والناس تغدو وتروح إليه على العادة‏.‏






أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع


الساعة الآن 10:49 PM.



Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
Search Engine Optimization by vBSEO ©2011, Crawlability, Inc.
المواد المنشورة فى هذا الموقع لاتعبر بالضرورة عن وجهة نظر الإدارة وإنما تعبر عن وجهة نظر كاتبها.